بسم الله الرحمن الرحيم الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ… — الفاتح 110_ Al-Fatih — TG.ME

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ، والصلاةُ والسلامُ على سيدِنا ونبيِّنا محمدٍ وآلهِ الطاهرينَ.

في رحابِ المولدِ المباركِ لخاتمِ الأنبياءِ والمرسلينَ، نبيِّ الرحمةِ والهدى، محمدٍ المصطفى (صلى الله عليه وآله)، وذكرى مولدِ حفيدِه الإمامِ جعفرِ بنِ محمدٍ الصادقِ (عليه السلام)، يتقدّمُ مجلسُ التعبئةِ الثقافيةِ لكتائب حزب الله بأسمى التهاني والتبريكاتِ إلى الأمةِ الإسلاميةِ، مستحضرًا هذهِ المناسباتِ المباركةَ بوصفِها محطةً لاستعادةِ المعاني الكبرى للرسالةِ المحمديةِ، وإعادةِ اكتشافِ أبعادِها الوحدويةِ والحضاريةِ، وتجديدِ العهدِ بمشروعِ الإسلامِ في بناءِ الإنسانِ والأمةِ.

لقد أدركَ الإمامُ الخمينيُّ (قدس سره) أن اختلافَ الرواياتِ في تحديدِ تاريخِ مولدِ النبيِّ الأكرمِ (صلى الله عليه وآله) يمكنُ أن يتحولَ من موضعِ اختلافٍ في التاريخِ إلى مساحةِ اتفاقٍ في المعنى؛ فدعا إلى جعلِ الفترةِ الممتدةِ بينَ المناسبتينِ أسبوعًا للوحدةِ الإسلاميةِ، إيمانًا بأن الأمةَ حينَ تلتقي حولَ نبيِّها، وتستحضرُ رسالتَه الجامعةَ، تستطيعُ أن تتجاوزَ كثيرًا من أسبابِ الفرقةِ، وتستعيدَ قدرتَها على صناعةِ حاضرِها ومستقبلِها.

وتبقى شخصيةُ الرسولِ الأكرمِ (صلى الله عليه وآله) محورًا جامعًا لعقائدِ المسلمينَ ومشاعرِهم، ونقطةَ التقاءٍ تتجاوزُ حدودَ الانتماءاتِ والتبايناتِ؛ غيرَ أن الوحدةَ لا تُبنى بالشعاراتِ وحدَها، وإنما تحتاجُ إلى وعيٍ راسخٍ، وإرادةٍ مسؤولةٍ، ومساعٍ عمليةٍ تنقلُها من حيّزِ الأمنيةِ إلى واقعِ الممارسةِ.

وإذا كان مولدُه الشريفُ قد أشرقَ بنورِ الرسالةِ، فإن استحضارَ هذه الذكرى اليومَ يحمّلُنا مسؤوليةَ استعادةِ ذلك النورِ في واقعِ الأمةِ ووعيِ أبنائِها؛ ولا سيما في زمنٍ تتكاثرُ فيه أدواتُ التأثيرِ على وعيِ الإنسانِ، من التضليلِ الإعلاميِّ والاستقطابِ الطائفيِّ، إلى صناعةِ الكراهيةِ في الفضاءِ الرقميِّ، وإعادةِ إنتاجِ العصبياتِ، وتشويهِ المفاهيمِ الدينيةِ، واستهدافِ الرموزِ والمقدساتِ.

وفي ظلِّ هذهِ التحدياتِ، تغدو الوحدةُ الإسلاميةُ مسؤوليةً ثقافيةً وفكريةً وأخلاقيةً، تتطلبُ من العلماءِ والمثقفينَ والشبابِ والمؤسساتِ أن ينتقلوا من ردِّ الفعلِ إلى صناعةِ الوعيِ، ومن معالجةِ الفتنةِ بعدَ اشتعالِها إلى تحصينِ المجتمعِ قبلَ أن تجدَ طريقَها إليهِ.

فالاختلافُ في الرأيِ لا يهددُ وحدةَ الأمةِ ما دامَ محكومًا بأدبِ الحوارِ واحترامِ الآخرِ، وإنما تبدأُ الفتنةُ حينَ يتحولُ الاختلافُ إلى تعصّبٍ، والتباينُ إلى كراهيةٍ، والانتماءُ إلى أداةٍ للإقصاءِ. ومن هنا، فإن حمايةَ الوحدةِ تقتضي ترسيخَ ثقافةِ الحوارِ، ومواجهةَ خطابِ التكفيرِ والتحريضِ، وتوسيعَ دوائرِ المعرفةِ المتبادلةِ بينَ المسلمينَ، وتعزيزَ المشتركاتِ التي تجمعُهم، بعيدًا عن كلِّ ما يغذي الفرقةَ ويستثمرُ في التنازعِ.

وفي مولدِ الإمامِ الصادقِ (عليه أفضل الصلاة والسلام)، نستحضرُ مدرسةً علميةً جعلتْ من المعرفةِ جسرًا للحوارِ، ومن الحجةِ طريقًا إلى الهدايةِ، ومن الانفتاحِ العلميِّ وسيلةً لحفظِ الإسلامِ وتحصينِ أجيالِه. وهي مدرسةٌ تؤكدُ أن قوةَ الأمةِ لا تُصانُ بالانغلاقِ، وإنما بالعلمِ والوعيِ، وبالقدرةِ على إدارةِ الاختلافِ بالحكمةِ، وتحويلِ التنوّعِ إلى مصدرِ إثراءٍ لا سببًا للنزاعِ.

ومن هذا المنطلقِ، ندعو إلى جعلِ أسبوعِ الوحدةِ الإسلاميةِ مناسبةً تتجاوزُ الاحتفاءَ الرمزيَّ إلى فعلٍ ثقافيٍّ واعٍ؛ بإحياءِ سيرةِ النبيِّ الأكرمِ وأهلِ بيتِه (عليهم السلام) بوصفِها مدرسةً للرحمةِ والعلمِ والكرامةِ ومقاومةِ الظلمِ، وتعزيزِ ثقافةِ الأخوّةِ الإسلاميةِ، وتحصينِ الأجيالِ من خطابِ الكراهيةِ والتضليلِ، وبناءِ وعيٍ قادرٍ على التمييزِ بينَ الاختلافِ المشروعِ ومحاولاتِ توظيفِه في تفكيكِ الأمةِ وإضعافِها.

إن أمتَنا تقفُ اليومَ أمامَ تحدياتٍ كبرى، وأخطرُ ما يمكنُ أن تخسرَه في مواجهتِها هو تماسكُها ووحدةُ صفِّها؛ فالأممُ لا تُستنزفُ فقط بما يواجهُها من أخطارٍ خارجيةٍ، وإنما قد تُستنزفُ حينَ تسمحُ للخلافاتِ بأن تتحولَ إلى قطيعةٍ، وللتبايناتِ إلى خصومةٍ، وللخطاباتِ المحرّضةِ إلى واقعٍ اجتماعيٍّ.

فلنجعلْ من حبِّ محمدٍ (صلى الله عليه وآله) نقطةَ التقاءٍ، ومن القرآنِ مرجعًا، ومن الأخوّةِ الإسلاميةِ سلوكًا، ومن الوعيِ حصنًا، ومن الحوارِ جسرًا، ومن الوحدةِ مشروعًا يتجددُ في كلِّ جيلٍ.


مجلسُ التعبئةِ الثقافيةِ
كتائب حزب الله
17 ربيع الأول 1448 هجرية
الموافق ل 30 آب 2026 ميلادية
❤11
August 30, 2026 1.2K