في عصر يشهد تزايداً غير مسبوق في طلب الطاقة وتوسعاً في انتشار مصادرها المتجددة، يبرز مفهوم الطاقة الشمسية الفضائية (Space‑Based Solar Power – SBSP) كأحد أكثر الحلول طموحاً وطويل الأمد لتحقيق طاقة نظيفة ومستدامة على نطاق عالمي، تتجاوز القيود التقليدية للطاقة الشمسية الأرضية. 1. ما هي الطاقة الشمسية الفضائية؟ الطاقة الشمسية الفضائية هي مفهوم يقوم على جمع الطاقة الشمسية في الفضاء الخارجي بواسطة أقمار صناعية أو منصات طاقة تعمل بالألواح الشمسية، ثم نقل هذه الطاقة إلى الأرض لاسلكياً عبر موجات ميكروية أو ليزر إلى محطات استقبال أرضية لتحويلها إلى كهرباء قابلة للاستخدام. الميزة الأساسية في هذا النظام هي أن الألواح الشمسية في الفضاء لا تتأثر بتغيّرات الطقس، الليل، أو الغلاف الجوي، مما يعني إمكانية جمع الطاقة على مدار 24 ساعة يومياً، 365 يوماً في السنة. 2. جذور الفكرة وتاريخها بدأت فكرة الطاقة الشمسية الفضائية في أواخر الستينات عندما اقترح مهندس وكالة ناسا، بيتر غلاسر، بناء أقمار صناعية للطاقة الشمسية في الفضاء تقوم بجمع الطاقة الشمسية وتحويلها إلى طاقة كهربائية وإرسالها إلى الأرض. على مر العقود التالية، تم إجراء العديد من الدراسات والنماذج النظرية، لكنها بقيت غالباً في إطار البحث العلمي لأنها كانت تواجه تحديات تقنية وعملية كبيرة قبل أن تصبح قابلة للتطبيق. 3. كيف تعمل هذه التقنية عملياً؟ تشمل العملية الأساسية ثلاث مراحل رئيسية: أ. جمع الطاقة في الفضاء المنصة الفضائية تكون مزودة بألواح شمسية تُجمع ضوء الشمس بشكل مستمر في الفضاء الخارجي، حيث لا توجد غيوم أو غلاف جوي يعيق الأشعة. ب. تحويل الطاقة يتم تحويل الطاقة الشمسية إلى طاقة كهربائية. ثم تُحوّل هذه الكهرباء إلى موجات ميكروية أو ليزرية عالية التردد يمكن أن تنقل عبر الفراغ بين الفضاء والأرض. ج. نقل الطاقة إلى الأرض تُرسل الموجات من الفضاء باتجاه أطباق استقبال أرضية كبيرة تستقبل الطاقة، ثم تُحوّل مرة أخرى إلى كهرباء لتُستخدم في الشبكة أو في تطبيقات خاصة. 4. أحدث التجارب والإنجازات حتى نوفمبر 2025، شهد مجال الطاقة الشمسية الفضائية خطوات عملية مهمة، من بينها: أ. تجارب ناجحة أولية لنقل الطاقة في عام 2024، أعلن فريق من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا (Caltech) نجاح أول اختبار عملي في الفضاء لنقل الطاقة الشمسية من الفضاء إلى الأرض باستخدام أجهزة إرسال واستقبال موجات ميكروية. هذا الاختبار يُعد أول نموذج ناجح على الإطلاق يثبت إمكانية نقل الطاقة الشمسية لاسلكياً من نظام في مدار منخفض إلى مستقبِلات على الأرض، وهو إنجاز يُمثل خطوة أساسية نحو تطوير هذه التقنية. ب. مشاريع طموحة في العالم اليابان (مشروع OHISAMA): تعمل وكالة الفضاء اليابانية وجمعيات شريكها على تجارب في هذا المجال تستهدف إنشاء منصات قادرة على إرسال الطاقة في المستقبل القريب. الصين تسعى لبناء محطة طاقة شمسية فضائية ضخمة في مدار ثابت لتوفير طاقة سنوية تصل إلى عشرات المليارات من الكيلوواط/ساعة. هناك تعاونات وأبحاث في أوروبا وأماكن أخرى تسعى إلى تطوير هذه التكنولوجيا عبر نماذج وخطط مستقبلية. 5. الفرص والتطبيقات المستقبلية إذا نجحت هذه التقنية في الوصول إلى مرحلة الإنتاج التجاري، فإن لها إمكانات هائلة، مثل: أ. طاقة نظيفة مستمرة بسبب قدرة الألواح الشمسية في الفضاء على العمل بلا توقف، يمكن توفير طاقة نظيفة على مدار الساعة مما يقلل اعتماد الشبكات على التخزين الأرضي والطاقة الاحتياطية. ب. دعم شبكات الطاقة الكبرى دراسات حديثة تشير إلى أن الطاقة الشمسية الفضائية يمكن أن توفر نسبة كبيرة من الطاقة المطلوبة في بعض المناطق (على سبيل المثال؛ قُدر أن أنظمة مشابهة يمكن أن تغطي حتى 80% من الطاقة المتجددة في أوروبا بحلول منتصف القرن إذا نُفذت بالكامل). ج. دعم تطبيقات متقدمة الفكرة تمتد إلى تشغيل وحدات حوسبة عالية الاستهلاك للطاقة، مثل مراكز البيانات في الفضاء لتقليل الضغط على الشبكات الأرضية وزيادة كفاءة الطاقة، كما أشارت بعض الشركات التقنية الكبرى إلى خطط مستقبلية مشابهة. 6. التحديات التقنية والاقتصادية رغم الإمكانات الكبيرة، تواجه الطاقة الشمسية الفضائية سلسلة من التحديات التي يجب التغلب عليها قبل أن تصبح مجدية تجارياً: أ. تكلفة الإطلاق والتجميع إطلاق الأجزاء إلى الفضاء وتجميعها مكلف جداً مقارنة بحلول الطاقة الأرضية التقليدية. ب. كفاءة النقل تحويل الطاقة وتحريكها عبر مسافات كبيرة يتطلب كفاءة عالية في الإرسال والاستقبال لضمان خسائر منخفضة وكفاءات تشغيلية مقبولة. ج. متانة المعدات في الفضاء الأجهزة التي تعمل في الفضاء تتعرض لإشعاعات قوية وظروف قاسية يمكن أن تؤثر على كفاءتها ومدة عمرها. د. تنظيمات السلامة إرسال طاقة عبر الموجات الميكروية أو الليزر يفرض معايير صارمة جداً لضمان عدم تأثيرها على الطيران أو البشر أو البيئة.
8
1