( من رآه بديهةً هابه):
كما قال صاحب البردة:
كأنّهُ وهوَ فَردٌ من جلالتهِ
في عَسكرٍ حينَ تلقاهُ وفي حَشَمِ
أي: أنَّه من شدَّة الرِّفعة وكثرة الجلالة يراه الرائي فيضطَّر إلى تعظيمه، ولا يَجِدُ مَحِيداً عن إجلاله، كأنَّه مَلِكٌ في وسط عساكره، وجُنودُه مُحدقة به، وذلك أنَّ ما حوَته السرائر على الأسرَّة يلوح.
قال العلماء: ولم يَظهر للخَلْقِ كمالُ مهابته وجلاله رحمةً من الله بخلقه، ولو ظهر لهم ذلك لتلاشَوا واضمحلُّوا ولم يقدِروا على التَّلقي منه، ومع عدم ظهور كمال جلاله كان يُحدّث أصحابه ويُؤنسهم، ويأخذ معهم في تدبير أمورهم، ويذكر معهم الدنيا والطعام، ويُمازحهم أحياناً ولا يقول إلَّا الحقّ، ويذكرون أشياء بحضرته من أمور الجاهلية فيُنصتُ ويضحك ممّا يضحكون منه ويتعجّب ممّا يتعجّبون، ولا يزجرهم إلَّا عن حرام، وكلّ ذلك رفقٌ بهم، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾
وقد جاء إليه رجل فقام بين يديه، فأخذته رعدة شديدة مهابة، فقال له: «هوّن عليك، فإنّي لستُ بمَلِكٍ ولا جبّار، وإنّما أنا ابن امرأةٍ من قريش تأكل القديد بمكة»، فنطق الرجل بحاجته لمّا سكَّن رَوعه بقوله: «لستُ بمَلِكٍ»؛ لأنّ الملوكيّة يلزمها الجبروتيّة، وبقوله: «إنَّما أنا... الخ» لأنّ القديد مفضول، وهو مأكول أهل المسكنة.
(ومن خالطه معرفةً أحبَّه):
لِما يتحقّقه من كمال جماله وجلاله، وجمعِه المحاسن الظاهرة والباطنة، وشدّة شفقته ورحمته، وشدّة تدبيره في أمته، وعن عليّ رضي الله عنه: كان ﷺ يؤلّفهم ولا يُنفّرهم، ويُكرم كريم كلّ قوم، ويوليه عليهم، وكان يُعطي كلّ جلسائه نصيبه، لا يحسب جليسُه أنّ أحداً أكرم عليه منه، ومن فاوضه صابره حتّى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجةً لم يردّه إلّا بها أو بميسورٍ من القول، قد وَسِعَ الناسَ بسطُه وخُلُقُه، فصار لهم أباً وصاروا عنده في الحقّ سواء.
- شرح جسوس على الشمائل-
August 28, 2026 40