ومن هنا أصبحت التشاركية، في رؤيتي، جزءاً من جودة القرار ذاته وليست إجراءً شكلياً يسبقه أو يلحقه. أما في مقال «بين هدر وكفاءة الإنفاق: عندما تصبح المختبرات الحديثة هياكل بلا روح»، فقد تناولتُ جانباً آخر من القضية، هو الفرق بين خفض التكلفة وتحقيق الكفاءة. وأوضحتُ أن شراء المختبرات والأجهزة لا يصنع قيمة ما لم تُضمن لها ميزانيات التشغيل والصيانة والكوادر الفنية، وأن كفاءة الإنفاق الحقيقية تُقاس بدورة حياة الأصل وبقدرته المستمرة على إنتاج بحث رصين، وخريج متمكن، وابتكار قابل للتطبيق. فالأصل المعرفي أو المادي الذي لا يُمكَّن من أداء وظيفته يتحول، مهما بلغت كلفته أو حداثته، إلى هدر مؤجل. وهكذا تتصل الكتابات الثلاث بخيط فكري واحد: *حماية الأصول المعرفية، *وإشراك أهل الاختصاص في تطويرها، *وقياس الكفاءة بجودة الأثر لا بمجرد تقليص الهياكل. ومن ثم، فهذه المقالة ليست ردّ فعل عابراً على إعادة هيكلة كلية بعينها، بل حلقة جديدة في رؤية ممتدة للعناية ببرامج التعليم العالي. وما يثير قلقي في حالة علوم الأرض هو احتمال أن يؤدي دمج التخصصات الدقيقة إلى تقليص العمق العلمي تحت مسوغات إدارية، فنفقد أصلاً معرفياً بنيناه على مدى عقود، في وقت تزداد فيه حاجة المملكة إليه لتحقيق أمنها الجيولوجي والاقتصادي. إعادة الهيكلة والسؤال عن هوية الخريج : ضمت الكلية، قبل هيكلتها الأخيرة، تخصصات دقيقة في: *الثروة المعدنية والصخور، *والجيولوجيا الهندسية والبيئية، *والجيوفيزياء، *وجيولوجيا المياه، *والجيولوجيا البنائية والاستشعار عن بُعد. وقد أتاح هذا التنوع للطالب أن يتدرج نحو مجال دقيق، ليتخرج بهوية علمية واضحة. وقد حضَرت هذه الخبرات العميقة في ملفات وطنية حساسة، ومن ذلك إسهام الكلية خلال نشاط العيص الزلزالي، الذي كشف عن تداخل النشاطين الزلزالي والبركاني وأهمية الرصد المتخصص [7]؛ وهي تجربة تؤكد أن الأمن الجيولوجي يستند إلى عمق التخصص، لا إلى عمومية المعرفة. في هذا السياق، تأتي إعادة هيكلة الكلية وتغيير مسماها إلى كلية التعدين، ودمج برامجها في قسم واحد باسم قسم علوم الأرض والجيوفيزياء، بوصفها تحولاً يستحق قراءة تتجاوز الهياكل إلى السؤال الأهم: أي نوع من الخريجين نريد أن نصنع؟ من المفهوم أن تستهدف الهيكلة رفع الكفاءة وتقليل التداخل. غير أن نجاح هذا التوجه لا يتوقف على الجمع الإداري، بل على قدرة البناء الجديد على حماية العمق العلمي. فالمشكلة ليست في وجود مظلة أكاديمية واسعة، بل في أن تتحول هذه المظلة إلى برنامج عام يختصر تخصصات عميقة في مقررات تعريفية متفرقة. فكلية علوم الأرض ليست حقلاً بسيطاً يمكن الإحاطة بجميع فروعه بالدرجة نفسها. فالخريج الذي يقضي دراسته في مجال دقيق يمتلك طريقة تفكير تخصصية يعرف من خلالها *كيف يفسر البيانات، *وما حدود أدواته، *وكيف يربط الملاحظة بالقرار المهني. فخريج جيولوجيا البترول، مثلاً، يدخل سوق العمل بذخيرة في المكامن وطرائق الاستكشاف، مما يمنحه قدرة على المنافسة في قطاع الطاقة. ويتخرج المتخصص في جيولوجيا المياه بمعرفة متدرجة بحركة المياه الجوفية والإدارة المستدامة، ليكون أقرب إلى التعامل مع مشكلات المياه الحقيقية. أما خريج الجيوفيزياء، فيتوجه إلى العمل بأساس متين في الرياضيات ومعالجة البيانات والطرائق الزلزالية [6]، وهي أدوات كمية يصعب بناؤها بجرعات مختصرة. وكذلك الحال مع خريج الجيولوجيا الهندسية في تقييم المخاطر، وخريج الثروة المعدنية في توصيف الخامات. هذه الأمثلة توضح أن قيمة الأقسام السابقة كانت في السلاسل التعليمية المتدرجة التي تقود الطالب إلى التطبيق المتخصص، ليغادر الجامعة بهوية مهنية واضحة يعرّف بها نفسه أمام جهة التوظيف. أما حين تُدمج التخصصات في مسار واحد واسع، فإن الطالب يتلقى جرعات معرفية متنوعة تفيده في الثقافة العامة، لكنها لا تضمن الجاهزية المهنية. فالوقت الدراسي ثابت، وكل مساحة تُمنح لموضوع جديد تُقتطع من عمق موضوع آخر. هذا الفارق يتضح عند المقابلة الوظيفية وفي القدرة على التعامل مع البيانات الحقيقية. فالخريج في المسار العام قد يجد نفسه بعيداً عن المنافسة، مما يضطره إلى أخذ دورات متخصصة لعام أو عامين لسد الفجوة. وهنا تبرز المفارقة؛ فإذا كانت فلسفة الدمج تستند إلى كفاءة الإنفاق، فإن هذا الهدر الخفي في وقت الخريج وتكاليف التدريب الإضافي يتعارض مع المفهوم الشامل لكفاءة الإنفاق، الذي يقاس بجودة المخرجات وسرعة انتقال الخريج إلى العمل المنتج. إن تشخيص هذا التحدي يجب أن يقود إلى بديل عملي ينسجم مع الهيكلة المستحدثة ويحافظ على العمق العلمي. ولعل الحل المناسب هو إنشاء شُعب تخصصية داخل قسم علوم الأرض والجيوفيزياء، بحيث يظل القسم وحدة إدارية واحدة، بينما تتعدد داخله المسارات الأكاديمية التي تمنح الطالب هوية تخصصية.
3
1