جيولوجية السعودية | Saudi Geology: post #676 — TG.ME

الأمن الجيولوجي بين عمق التخصص وعمومية المعرفة عصام يحيى الفيلالي عضو هيئة تدريس سابق – جامعة الملك عبدالعزيز الأمن الجيولوجي ليس مجرد مصطلح علمي، بل هو أحد أركان الأمن الوطني الشامل؛ ويمكن تعريفه بأنه قدرة الدولة على فهم تكوينها الجيولوجي ومواردها ومخاطرها، وتحويل هذه المعرفة إلى قرارات تحمي الإنسان والعمران، وتضمن استدامة الموارد، وتدعم الاقتصاد وسلاسل الإمداد. وتتجلى أهمية الأمن الجيولوجي في المملكة العربية السعودية من خلال تطبيقات عملية تمس عصب الحياة والتنمية. فمن الناحية الاقتصادية، يقف هذا العلم وراء استكشاف الثروات النفطية والمعدنية، التي تعد من أهم الموارد الاستراتيجية للمملكة. ولا تقف مستهدفات رؤية السعودية 2030 عند استخراج هذه الموارد، بل تمتد إلى توطين الصناعات وتطوير سلاسل القيمة المعدنية لزيادة القيمة المضافة محلياً [1] [2]. وهذا التحول الاقتصادي يبدأ من الجيولوجي الذي يحدد موقع المورد وخصائصه وجدواه. ومن الناحية البيئية والمائية، يتولى الجيولوجي المتخصص إدارة الخزانات الجوفية لضمان استدامة المياه، ودراسة الآثار البيئية للمشروعات التعدينية، وتقييم مواقع السدود. أما من الناحية الوقائية والعمرانية، فإن التكوين المعقد للمملكة، الذي يمتد من صخور الدرع العربي إلى المتتابعات الرسوبية والحرات البركانية [3]، يتطلب خبرات وطنية دقيقة لرصد الزلازل والبراكين، وتقييم مخاطر السيول والانهيارات الأرضية قبل إنشاء البنى التحتية والمشروعات الكبرى [4]. من الأمن الجيولوجي إلى التعليم المتخصص : هذا التنوع الهائل في التطبيقات يعني أن المعرفة الجيولوجية العامة لا تكفي وحدها؛ فلكل ملف أدواته ومناهجه: *الجيوفيزياء للاستكشاف والرصد، *وجيولوجيا المياه للإدارة المستدامة، *والجيولوجيا الهندسية لتقييم المواقع والمخاطر، *والثروة المعدنية لتوصيف الخامات، *والجيولوجيا البنائية والاستشعار عن بُعد للخرائط والتحليل المكاني. ومن هذا الاحتياج الوطني تنبع ضرورة وجود تعليم جيولوجي متخصص؛ وهي الضرورة التي انطلقت منها فكرة تأسيس كلية علوم الأرض بجامعة الملك عبدالعزيز بوصفها استجابة مؤسسية لحاجة المملكة إلى الخبرة الجيولوجية التطبيقية. فقد تشكلت هويتها عبر مسيرة طويلة، بدأت بتأسيس “مركز الجيولوجيا التطبيقية” عام 1390هـ (1970م) لتدريب الجيولوجيين السعوديين، ثم تطور إلى معهد، قبل أن يُدمج مع قسم الجيولوجيا بكلية العلوم عام 1398هـ (1978م) تحت مسمى “كلية علوم الأرض” [5]. وتكتسب هذه المسيرة أهميتها من كون برامج الكلية من أوائل البرامج التي منحت درجتي الماجستير والدكتوراه في المملكة [5]، لتمد قطاعات البترول والمياه والتعدين بكفاءات وطنية عالية التأهيل. ولعل ما يدفعني إلى هذه كتابة هذه المقالة صلةٌ علمية ومهنية ممتدة بهذه المؤسسة؛ فقد تخرجت في قسم الجيولوجيا بكلية العلوم في العام الذي تأسست فيه كلية علوم الأرض، ثم ابتُعثت لدراسة الماجستير والدكتوراه، وعدت بعد ذلك عضواً في هيئة التدريس بالكلية، وظللت قريباً من مسيرتها حتى عهد قريب جداً. ومن ثم، فإن هذه الرؤية تصدر عن تجربة عايشت نشأة الكلية وتحولات برامجها، وعن حرص بالغ على أن يبني أي تطوير على الرصيد العلمي المتراكم بدلاً من أن يختصره. لم تكن هذه المقالة وليدة اللحظة، بل هي امتداد لرؤية أصيلة وموقف متراكم حول أهمية العناية ببرامج التعليم العالي وصون عمقها المعرفي وتعظيم أثرها التنموي. فقد سبق أن تناولتُ هذه القضية من زوايا متكاملة في ثلاث كتابات تلتقي، على اختلاف موضوعاتها، عند سؤال واحد: كيف نطوّر الجامعة من دون أن نفقد أصولها المعرفية وقدرتها على إعداد الخريج المتمكن؟ ففي مقال «من نقد القرارات إلى بناء الحلول: كيف تحوّل الجامعات السعودية التخصصات النظرية إلى مراكز ربح واستثمار»، انطلقتُ من الجدل حول إلغاء بعض التخصصات النظرية، مثل اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا وعلم الاجتماع، لأؤكد أن البديل عن الإلغاء ليس الإبقاء الجامد، بل إعادة ابتكار هذه البرامج واستثمار قيمتها المعرفية. واقترحتُ توسيع التعليم عن بُعد، وتفعيل الأوقاف الجامعية في تمويل البحوث الواعدة، وتمكين شركات أودية التقنية من نقل المعرفة إلى منتجات وخدمات. وكانت الفكرة المحورية أن التخصص الأكاديمي ليس عبئاً إدارياً يُستبعد، بل أصل معرفي يمكن تطويره ليخدم الهوية والتنمية والاستدامة المالية معاً. وفي قراءة بعنوان «أين الخلل؟ قراءة في قرارات إعادة هيكلة جامعة الملك سعود»، عرضتُ وناقشتُ أطروحة المهندس عبدالله بن إبراهيم الرخيص حول مخاطر اختزال الجامعة في الاستجابة الآنية لسوق العمل. وقد أبرزتُ أن وظيفة الجامعة أوسع من إنتاج المهارات العاجلة، وأن التكامل بين الحقول لا يعني تذويب التخصصات، كما أن القرارات المصيرية لا تكتسب مشروعيتها وفاعليتها إلا بالحوار المؤسسي وإشراك أعضاء هيئة التدريس والطلاب وأهل الخبرة.

❤4
July 20, 2026 725 1