أخذتُ يومي هذا على عاتقي، ولم أدرِ إن كانت الشمس قد طلعت أم أنني أنا… — ـ لِشَذى³³ ـ — TG.ME

ـ لِشَذى³³ ـكان صباحًا لا يشبه الصباحات، صباحًا هادئًا إلى حدّ التورّط، يعتذر عن الضجيج مسبقًا. ابتعدتُ فيه عن سالي مسافة مقعدٍ واحد، لكنّ أصابعنا تعاهدت في الخفاء، فتشابكت أيدينا كما تتشابك الأسرار، جسرًا صغيرًا نعبر عليه إلى بعضنا دون أن يرانا أحد. وصلنا بهدوء، جذبت…
أخذتُ يومي هذا على عاتقي، ولم أدرِ إن كانت الشمس قد طلعت أم أنني أنا من سرقتُ الصباح ومشيتُ به في ظلامي.
كنتُ أمشي بلا كفّها.
وبلا كفّها يصبح الطريق أطول، والهواء أثقل، وصوت "صباح الخير" المقتضبة التي ترميها إليّ بعجلةٍ محببة يغدو غائبًا كأنه لم يُخترع بعد.
لم أرَ ملامحها المزعجة، تلك الملامح التي يرسمها النوم على وجهها كخريطةٍ لبلادٍ لم تُكتشف بعد. فشبّكتُ يدي الفارغة بيدي الأخرى بشهادة الغياب.

كانت الساعات هادئة جِدًا.
فجلستُ بها مع نفسي جلسة محاكمة، بلا محامٍ ولا شهود.
وصلتُ إلى القاعة مباشرة، بلا انحراف، أو عادة.
لم أتسكّع إلى البقالة كعادتي لأشتري الماء والعلكة تلك الجولة القريبة التي نسميها "تمرد"
جلستُ على المقعد.
كان باردًا يحفظ غيابها قبلي.

حتى جاءت الدكتورة تهاني.
دخلت تحمل القوانين في يد، وتحمل نفاد الصبر في اليد الأخرى.
شرحت لنا نظام الكلية كما تُشرح الوصايا على عجل، ووزّعت على كل قسم مواده.
كانت خفيفة الظل، ثقيلة على أحاديث الزملاء التي تمطّت أكثر مما ينبغي، فاختصرتنا بسرعةٍ أنقذتنا من أنفسنا.

خرجتُ لأشتري الفطور من "بيروت".
سندويتش شيبس..
أضع بين طبقتين من الخبز كل ضجيج الصباح وأمضغه.
أخذت قهوتي بعد أن جُهزت في بوفيه الجامعة، شربتها بلا شهية، كما أشرب دوائي للبقاء لا للمتعة.
وأكلتُ، ثم عدتُ...
عدتُ إلى حيث لا أريد أن أعود:
إلى منصة القاعة.

وقفتُ هناك بعينين مهزوزتين تدّعيان القوة، وبساقين هشّتين تكادان تحملان جبلًا اسمه "لا شيء".
طلبتُ مساعدة الزملاء في أمرٍ ما.
وبعدها أعلنتُ لهم الذهاب.
أمرٌ من الإدارة، لكنه كان يشبه أمرًا من القدر، كي أرحل لأمضغ ثوب الخجل الذي تلبسني آنذاك.

انتظرتُ في الإستراحة.
يا إلهي كم انتظرتُ.
والانتظار كان يأكل الوقت، حتى جاء الباص أخيرًا، متأخرًا كدعواتِ أمي.
بعدما قضيتُ ذلك الوقت الطويل في ممارسة هوايتي المفضلة: تصوير زميلاتي اللطيفات منهن كنسائم لا تُرى، والمشاكسات منهن كعواصف صغيرة نضحك عليها بعد أن تنتهي.

وحين حان وقت الذهاب، مشيتُ نحو الباص بخطواتٍ سلسة كمن سلّم أمره للريح.
وبدأ المطر بالهطول.
لا مطرٌ عادي، بل مطهر يغسل الأسفلت من خطايانا الصغيرة.
وجاءت معه عاصفة غبارية بلا اسم.
عاصفةٌ كأنها رسالة لم تُرسل، أو غضبٌ قديم قرر أن يزور المدينة.
تجاهلتُ كل ذلك.
أدخلتُ سماعتي في أذني، فتغلغل صوت حماقي داخلي بذبذبات دافئة:
"من البداية قُلت لك..."
ومرت الكلمات في عقلي واحدةً تلو الأخرى، حتى استقرت هذه:
"لو هتمشي امشي حالًا، لو فضلتي ما تبعديش"
استقرت في قلبي كبرقٍ باسم فلت من السماء، برقٌ بنفسجي اللون كابتسامة سالي الغائبة، معلقٌ عليها علامة استفهام كونية تحتمل الصواب والخطأ معًا، ربما قد تبقى، وربما لا!



#شذى_ياسر
August 12, 2026 421