كان صباحًا لا يشبه الصباحات، صباحًا هادئًا إلى حدّ التورّط، يعتذر عن… — ـ لِشَذى³³ ـ — TG.ME

كان صباحًا لا يشبه الصباحات، صباحًا هادئًا إلى حدّ التورّط، يعتذر عن الضجيج مسبقًا. ابتعدتُ فيه عن سالي مسافة مقعدٍ واحد، لكنّ أصابعنا تعاهدت في الخفاء، فتشابكت أيدينا كما تتشابك الأسرار، جسرًا صغيرًا نعبر عليه إلى بعضنا دون أن يرانا أحد. وصلنا بهدوء، جذبت شنطتي ثم مضيتُ... كان عليّ أن أنقل ريبورتاج الأمس إلى الإدارة، بدقّةٍ تشبه دقّة من يخشى أن يفلت منه المعنى بين سطرٍ وآخر. واصلت الصعود، وبقت سالي في القاعة.. وهناك، في بهوٍ يشبه الانتظار، التقيتُ بدكتور محاضرة اليوم، أثنى على تصويري، رغم تواضع إمكاناتي، وقالها ببساطة من يعرف قيمة الاجتهاد: "أريد ريبورتاجًا لمحاضرتي، حالما ننزل في التاسعة،" نزلتُ من الدور الرابع وجيوبي ممتلئة بفتات كلماته، أجمعها كما تُجمع الحلوى من كفّ سخيّ، وأتذوّقها واحدة واحدة في داخلي قبل أن تذوب، جلستُ على كرسيّي الذي ألفته، كان الجو أنثويًا بلا مبالغة: رائحة ناعمة، وهدوءٌ يشبه البيوت قبل أن يستيقظ أهلها، لم يأتِ الزملاء بعد، فمنحتنا الغرفة هامشًا لطيفًا من الحرية، أن نجلس دون ضجيج الانتماءات. مرّت دقائق لا تُعدّ بالساعة، بل بعدد الخطوات المقبلة، ثم دخل الدكتور، ومن بعده تهاطل الأولاد، واحدًا تلو الآخر، كحبات سبحةٍ انفرطت بهدوء. زملائي رقيقون إلى حدّ يُربك، كلّما نظرتُ إلى مقاعدهم تذكّرتُ أن في الحياة ما يزال هناك شبابٌ يُشبهون الفجر: خجولون، صادقون، لا يرفعون أصواتهم ليُسمعوا، لم أرَ حياءً حقيًا في حياتي إلا بعد أن جمعنا سقف هذه الكلية، فلربما كان خجل الرجل في هذا الزمان آخر أنواع البطولة التي لا نراها. رفعتُ الهاتف لألتقط الريبورتاج المكلفة به، يداي ترجفان كأوراق شجرٍ في نسمةٍ لا يراها إلا الله، عيناي على العدسة، وعقلي يصرخ: "اثبتي، لا تقتلي جودة الفديو بهذا الاهتزاز،" لكن الحياء كان يسبقني بخطوة، كلّما التقت عيناي بعين تنظران إليّ، مرّت في جسدي رعشةٌ صغيرة، ككهرباءٍ خافتة تذكّرني أنني ما زلتُ أستحي من الضوء. أنهيتُ، وجلستُ، لم أكن حاضرة تمامًا رغم لطف الأحاديث، كان فيّ شرودٌ ناعم، كغيمةٍ وقفت في منتصف القاعة ونسيت اليوم أن تمطر! "بريك بسيط ونعود" فنزلتُ لأشتري فطوري، قهوتي المعدة بالمراراة كي تفهمني، لكن ما لم يكن معتادًا اليوم هو "العشار،" جاء ساخنًا، بطعمٍ يشبه البيوت القديمة، لذّته أيقظت في فمي رائحةً كنتُ أظنها ماتت: رائحة مطبخٍ من الطفولة، من زمنٍ كان الخبز فيه يُخبز على مهل. عدتُ للقاعة متأخرة، فقد سرقتني لذة العشار كما تسرقنا الأشياء الصغيرة التي لا نملك تفسيرًا لها. سمح لي الدكتور بالدخول فجلست... جلستُ بذهنٍ خاوٍ، وبطنٍ ممتلئة، وهذا كان إنجازًا بحدّ ذاته في صباحٍ قرر أن يكون رحيمًا بي! #شذى_ياسر

August 11, 2026 354