افتتحني الغثيان هذا الصباح كقافية معطوبة لا تستقيم على لسان اليوم، وكان الأشد قسوة أن سالي جلست في المقعد الخلفي برفقة ابنة خالتها، بينما اخترت أنا المقعد الأمامي لأستعير من النافذة نَفَسًا لا يخنقني.
افترقنا هناك على مرأى من الطريق، فشعرت أن شيئًا ما قد سُحب من صدري دون ضجيج.
أسندت رأسي إلى الزجاج، ولم أعد أعي شيئًا سوى دوّامة الغثيان وهي ترقص داخلي.
وعند العتبة أمسكت بي سالي، فدخلنا معًا قاعةً خاوية تتنفس صمتها.
كانت المحاضرة في التاسعة، وقد جئنا قبلها بنصف ساعة، كأننا نهرب من فراغٍ أكبر في المنازل.
فخرجنا إلى البقالة.
اشترينا ماءً وعلكة، فخفّت حدة الدوار قليلًا بما أن السكر يعيد للجسد عهده مع التوازن.
وأخيرًا جاء الدكتور عبد العزيز...
كان متأخرًاحتى ظننا أن غيابه صار محتومًا.
اقترب بصوتٍ منخفض كالوشة، وبطلّةٍ كلاسيكية تليق بالكتب القديمة، تمنح المكان ارتياحًا لا يُفسّر. تقدّم بوسامتين من الصعب الحصول على كلتيهما: وسامة العقل ووسامة الملامح.
عرّفنا بنفسه، واعتذر لتأخره بسبب مرضه، تمنيت له الشفاء في نفسي ثم اقتادنا بلطفٍ ماكر إلى عوالم الذكاء الصناعي وتطبيقاته التي ستُفيدنا، لا كأدوات باردة، بل كامتدادٍ لفكرنا حين يتعثر.
كانت محاضرةً شهيّة.
لم أشعر بالوقت وهو يذوب من حولي.
كان فكاهيًا بلا ابتذال، لطيفًا بلا تكلّف، يعرف كيف يصطاد القلوب قبل العقول، ويترك فينا أثرًا لا يُمحى بسهولة.
وأنا كنت أكتب ملاحظاته أولًا بأول، ربما لأحتفظ ببعض من دفء صوته على الورق.
في النهاية منحنا تكليفًا مشوّقًا، ووعدناه أن نعرضه عليه بعد أسبوع.
انتهينا وغادرتُ القاعة برفقة سالي، وبقي الدكتور يردّ على الأسئلة بسعة قلبٍ لا تنضب، كأنه يعتذر عن تأخره بالإنصات.
حينها لم أتمسك بيد سالي.
ولم أرَ نفسي إلا وقد نقلت إلى الدرجة الخامسة.
هبطتُ هبوطًا موجعًا.
تلك خيانة الجسد المنهك.
قمت كأن لا شيء حدث وابتلعت الدمعتين اللتين ترقرقتا في عيني بهدوء.
كنت قد اشتهيت صباحًا فاصوليا "ناشف"، فحملتها معي إلى هناك، ولم نطلب للفطار غير رغيفٍ من الروتي وفنجان قهوةٍ لي، كعادتي التي لا أستطيع خيانتها.
مضينا إلى المكتبة لشراء الكتب حالما تُجهّز قهوتي.
وهناك سقطتُ مجددًا من على درجها، ولم أشعر حينها بركبتي الممزقة أو بالدم الذي التصق بالقماش.
واصلتُ السير بجناحيّ وسالي ممسكة بي وهي تقرأ عثرتي قبل أن تحدث.
حين حضر الطلب، انسكب البن عليّ بسبب رعشة التوازن.
فضحكت سالي، ثم لم تلبث إلا واختلّ توازنها هي الأخرى، فاحترقت يدها هي الأخرى معي، لكن قلبي الطيب حزن عليها كثيرًا.
بعد أسبوع سيكون موعد التسليم.
وسأكون هناك.
واقفة.
ولو على ساقٍ واحدة.
ولن يعرف أحدًا أني كتبت التكليف وبين كل سطرٍ... كانت ركبتي تنبض، والإعياء يمشي قبلي ليفتح لي الباب!
#شذى_ياسر
August 9, 2026 409