أما اليوم قطعتُ الطريق إلى الجامعة ركضًا، أطوي الطرقات والدَّرَج على عجلٍ، لأنّي أعلم أن المحاضرة اليوم قد بدأت منذ الثامنة، غير أن طرق الريف لا تعترف بالساعات ولا توقّع مع المواعيد معاهدة.
تأخرتُ وسالي.
ساعة وثلثٌ بالضبط.
دخلنا القاعة وساقانا تسبقان أنفاسنا، والأذنان معلّقتان على صوت الدكتور الذي لم يوقف الشرح على عتبة تأخرنا، اجتزنا الممرّ وعلى جباهنا حمل ثقيل من نظراتٍ لا ترحم.
جلستُ.
وكانت كل المحاضرات على منوالٍ واحد: تحفيزٌ منمّق، وخطاباتٌ عن كيف سنغيّر اليمن، وكيف سنحمل على أكتافنا وطنًا أنهكته الخيبات.
كنتُ أسمع وأبتسم، ابتسامةً باهتةً كمن يستمع إلى نكتةٍ أُعيدت ألف مرة حتى فقدت دمها.
خرجنا.
ذهبتُ لأشتري من بوفية الجامعة
بينما سالي فضلت "الباربون" مع عصير البرتقال المعلّب، وجلست.
طلبتُ عند التاسعة والنصف، وانتظرتُ كثيرًا.
وما أوجعني لم يكن الانتظار.
أوجعتني تلك العيون.
شبابٌ ينتظرون طلباتهم من الداخل، وعيونهم تتسكّع على النافذة التي أقف عندها.
واحدٌ، ثم آخر، ثم ذاك الذي كان ينفث دخان سجائره في وجهي، نفخةً تلو نفخة، كأنه يختبر مدى صبري. لم أحتمل.
أغلقتُ النافذة في وجهه.
ثم فتحتها.
ثم أغلقتها، عشرات المرات.
وأخيرًا جاء الطلب.
محمّلًا لا بالطعام وحده، بل بنظرات الإحراج.
بنظرات تقول: كيف تجرؤ أنثى ترتدي الكعب، أن تقف طويلًا أمام شبابٍ بأجسادٍ فارهة وعيونٍ أصحّ؟
عدتُ إلى محاضرة الحاسوب وقد بدأ الوقت هناك ونساني، وبقيتُ آكل من تحت الطاولة، كطفلةٍ في الخامسة تخفي قطعة حلوى عن الأنظار.
مللتُ، مللتُ كثيرًا هناك، ولم يصلني صوت الدكتورة بوضوح بسبب ابتعادي عنها.
أكملتُ المحاضرة على مضض وقبل أن أغادر، لم أنسَ أن أعيد لصاحب البوفية الكوب.
كان فارغًا من البن.
لكنّي ملأته حتى الثمالة بكل ما ابتلعته اليوم:
بثلث الساعة التي سرقها الطريق من عمري، وبالمحاضرات التي تبيعنا أوطانًا من ورق، وبالعشرات من النفخات التي حاولت أن تطفئني.
وضعتُ الكوب على الرخام.
فارتدّ الصدى في داخلي:
نحن لا نشرب القهوة هنا.
نحن نشرب صمتنا، ونمضغ خيبتنا تحت الطاولات، ونمشي على الكعب العالي فوق أشواك مدينةٍ لم تتعلم بعد كيف تمشي امرأةٌ وحدها دون أن تُحاكم.
خرجتُ.
والبن لم يعد في الكوب.
أصبحَ في حلقي!
#شذى_ياسر
August 8, 2026 359