﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾
حين يقف الإنسان طويلًا أمام بابٍ لا يُفتح، يبدأ في الظن أن الباب خُلق ليبقى مغلقًا، وأن الطرق كلها تؤدي إلى الجدار نفسه. وحين تمتد ليالي المرض، أو يطول الفقر، أو يتأخر الفرج، أو تتكرر الخسارات، لا يرهق الإنسان الألم وحده، بل يرهقه اعتياده عليه، حتى يصبح العسر مألوفًا في نفسه، ويغدو اليسر غريبًا عنها، وكأنه شيءٌ كان يحدث للآخرين فقط. وهنا يبدأ القلب في صناعة أخطر أوهامه؛ فينظر إلى الغد بعين الأمس، ويحسب أن ما تأخر لن يأتي، وأن ما تعسر لن يتيسر، وأن الله تركه لما هو فيه، بينما الحقيقة تجري في مكانٍ آخر لا تصل إليه الأبصار.
تأمل الفلاح وهو يغرس بذرةً في الأرض، ثم يعود بعد أيام فلا يرى فوق التراب شيئًا. لو كان لا يؤمن بما يجري تحت السطح لنبش الأرض بيديه كل صباح، ولسأل نفسه: أين الزرع؟ لكن يقينه بأن الحياة تعمل في الخفاء يجعله ينتظر مطمئنًا، لأن غياب المشهد لا يعني غياب الحدث. وكذلك أقدار الله؛ كم من يسرٍ بدأ يتشكل لك منذ زمن، وأنت تظنه لم يبدأ بعد، وكم من بابٍ تحركت مفاتيحه في الغيب، بينما كنت تظن أن الله قد نسيه، وكم من قلبٍ هيأه الله ليكون سببًا في نجاتك، وهو لا يعرفك بعد، وكم من دعوةٍ خرجت منك في ليلةٍ باكية، لم تضيع في السماء، وإنما بقيت تنتظر الساعة التي اختارها الله لها، لأن بعض الإجابات لا تتأخر إهمالًا، بل تنضج رحمةً.
انظر إلى البحر حين اشتد موجه على موسى وقومه، لم يكن في الأفق ما يوحي بالنجاة، ولم يكن الماء أقل عمقًا، ولا فرعون أقل بطشًا، ولم تتغير الأسباب قيد أنملة، لكن الذي تغير هو أن الله قال كلمته. وفي اللحظة التي أعلن فيها الناس نهاية الطريق، بدأ الله بداية الطريق. وتأمل النار وهي تلتهم الحطب من حول إبراهيم، لم تفقد حرارتها، ولم تتغير طبيعتها، لكن أمرًا واحدًا من الله جعلها بردًا وسلامًا. إن المعجزات لم تبدأ حين انطفأت النار، ولا حين انشق البحر، بل بدأت يوم امتلأ قلب إبراهيم بالله، ويوم قال موسى بكل يقين: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. فالنجاة كانت تولد في القلب قبل أن تظهر في الواقع.
ولهذا جاء الوعد الإلهي عجيبًا: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾. لم يقل إن اليسر سيأتي صدفة، أو لأن الأيام تتبدل بطبيعتها، بل نسبه إلى نفسه سبحانه، وكأنه يقول لك: دع عنك حساباتك، فإن الذي يصنع اليسر هو أنا، والذي يختار توقيته هو أنا، والذي يعلم متى تكون مهيأً لاستقباله هو أنا. وما أكثر ما وقف الإنسان على أطلال أمنيةٍ ضائعة يبكيها، ثم عاد بعد أعوام يحمد الله أنها لم تتحقق، لأن الذي كان يراه خسارةً بعينيه، كان الله يراه نجاةً بعلمه، والذي ظنه تأخيرًا كان إعدادًا، والذي حسبه حرمانًا كان حفظًا.
فلا تجعل اللحظة التي تعيشها تحكم على العمر كله، ولا تجعل مشهدًا واحدًا يفسر لك حكايةً لم تنته بعد. إن الطفل يبكي حين يأخذه أبوه إلى غرفة العمليات، لأنه لا يرى إلا الإبرة والمشرط، أما الأب فيرى الشفاء الذي سيأتي بعدهما. وكذلك أنت مع أقدار الله؛ ترى وجع اللحظة، ولا ترى الرحمة التي تختبئ وراءها، وترى الدموع، ولا ترى الابتسامة التي تحملها الأيام إليك، وترى العسر، بينما الله يرى اليسر الذي يسوقه إليك خطوةً خطوة، حتى إذا جاء وقفت مدهوشًا، لا لأن اليسر جاء، بل لأنك أدركت متأخرًا أن الله كان يعمل لأجلك طوال الوقت، وأن كل ما ظننته تأخرًا، كان في الحقيقة جزءًا من أعظم تدبيرٍ لرحمته.
لهذا، إذا ضاق بك الطريق يومًا، فلا تستعجل السؤال: متى يأتي اليسر؟ بل اسأل نفسك: أيُّ يسرٍ عظيمٍ يُعِدّه الله حتى احتاج كل هذا العسر ليهيئني له؟ فإن من عرف الله، علم أن وعده لا يتخلف، وأن رحمته لا تتأخر إلا لتأتي في اللحظة التي تكون فيها أعمق أثرًا، وأبقى نعمةً، وأجمل جبرًا.
4July 6, 2026 1K 4