الهجرة ليست حادثةً في التاريخ، بل هي اللحظة التي استقام فيها التاريخ… — رَوح — TG.ME

الهجرة ليست حادثةً في التاريخ، بل هي اللحظة التي استقام فيها التاريخ على قدميه. قبلها، كانت الأعوامُ تمضي كما تمضي الرمالُ بين الأصابع؛ ملوكٌ يتعاقبون، وحروبٌ تنطفئ لتشتعل، وأسماءٌ تلمع ثم يأكلها النسيان. ثم مرَّ على الأرض رجلٌ لم يكن حدثًا عابرًا في الزمن، بل كان الزمنُ نفسه يعيد تعريفَ معناه بحضوره. إنه محمدٌ ﷺ. الرجلُ الذي لا تُعرِّفه أنسابُ العرب وإن كان أشرفَها، ولا تُحيطُ به ألقابُ الملوك وإن علت، ولا يبلغه وصفُ البلغاء مهما أتقنوا صناعة البيان. هو يتيمٌ ربَّته العناية، وأمّيٌّ علَّم العقول، وراعي غنمٍ قاد الأمم، وإنسانٌ خرج من صحراءَ صغيرةٍ ليملأ الأرض عدلًا ورحمةً ونورًا. هو الذي رفع الله ذكره فوق المنائر، وفي بطون الكتب، وعلى شفاه المؤمنين، فلا يُذكر اسمُ الله في الأذان إلا ويُذكر اسمُه معه، ولا يُعقد إيمانٌ كاملٌ إلا بمحبتِه، ولا تكتمل صلاةٌ إلا بالصلاة عليه. أيُّ مقامٍ هذا الذي قال فيه ربُّ السماوات: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾؟ وأيُّ منزلةٍ تلك التي جعلت الله وملائكته يصلُّون عليه؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾. ثم جاءت الهجرة لا كرحلة نجاة، ولا كفرارِ مضطهدٍ من بطش خصومه، بل كأعظم إعلانٍ في التاريخ أن العقيدةَ أغلى من الأوطان، وأن المبادئ إذا صدقت حمل أصحابَها إلى الخلود. خرج ﷺ من مكة، وهي أحبُّ بقاع الأرض إلى قلبه، تاركًا وراءه طفولتَه وذكرياتِه وقبورَ أحبَّته، لا يحمل ذهبًا ولا خزائن، وإنما يحمل رسالةً ستُغيِّر مصير الإنسان. كانت قريشٌ ترى رجلًا يخرج في جنح الليل، وكانت السماء ترى نبيًّا يؤسس حضارة. كانت العيونُ تترصده، وكانت الملائكةُ تحفُّ طريقه. وكان الغارُ الضيقُ يتَّسعُ لمعنى لا تتسع له الدنيا كلُّها؛ حين قال لصاحبه: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾. فمن تلك الكلمات، تعلَّمت البشرية أن اليقين قد يكون أقوى من الجيوش، وأن المؤمن إذا كان الله معه فلا وحشةَ عليه ولو اجتمع عليه العالم. ثم وصل إلى المدينة فلم يبنِ قصرًا، بل بنى مسجدًا. ولم يؤسس عرشًا، بل أسَّس أمة. ولم يعلِّم الناس كيف يحكمون فحسب، بل كيف يحبون، وكيف يعدلون، وكيف يغفرون، وكيف يكون الإنسان إنسانًا. يا رسول الله يا من اجتمعت فيك هيبة الأنبياء، ورحمة الآباء، وحكمة الحكماء، وشجاعة القادة. يا من كان وجهُك أبهى من القمر، وخُلُقُك قرآنًا يمشي على الأرض، ويدُك أندى من الغيث، وقلبُك أوسع من الدنيا بما فيها. ما عرفت الإنسانيةُ رجلًا بكى لأجل أمته قبل أن يراها، ولا نبيًّا حمل همَّ أتباعه إلى آخر الزمان وهو يقول: "أمتي أمتي." وما عرفت البشريةُ فاتحًا دخل منتصرًا مطأطئ الرأس تواضعًا لله، ثم قال لمن آذوه وشردوه وحاربوه: "اذهبوا فأنتم الطلقاء." لذلك، ليست الهجرة بداية سنةٍ جديدة فحسب؛ إنها بداية معنى جديد للإنسان. إنها اليوم الذي انتصر فيه الإيمان على الخوف، والرسالة على الطغيان، والرحمة على الانتقام، والنور على ظلمات الأرض. وفي كل عام هجري جديد، لا نقف أمام تقويمٍ يتبدل، بل نقف إجلالًا لصاحب الهجرة، للنبي الذي أخرج الله به الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن ظلمات الجهل إلى نور الهداية. **فصلّى الله وسلّم وبارك عليك يا محمد، يا سيّد الخلق، وإمام المتقين، وخاتم النبيين، وصاحب المقام المحمود، وصاحب اللواء المعقود، وصاحب الشفاعة العظمى. صلّى الله عليك بعدد ما نبضت قلوبُ المحبين، وبعدد ما تعاقبت السنون، وبعدد ما أشرقت شمسٌ على هذه الأمة التي ما زالت ترى في هجرتك بداية تاريخها، وفي سيرتك أعظم ما أنجبت الإنسانية من عظمةٍ ونور.** ﷺ.

June 15, 2026 1.3K 8