﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾
في منتصف التعب، بعد أن تُجرِّب كل ما تعرفه من الحيل، وتستنفد ما لديك من قوة، وتُرهقك المحاولات، تأتي هذه الآية لتعيد ترتيب العالم في قلبك.
إيّاك نستعين.
كأنها اعتراف الإنسان الأخير والأصدق: يا رب، لقد ظننتُ أنني أستطيع وحدي. حملتُ ما لا طاقة لي به، وخضتُ معاركي وكأن النجاة مرهونة بمهارتي وحدها، وقلقتُ حتى أوجعتني الأفكار، لأنني نسيت أن لي ربًّا لا يعجزه شيء.
إيّاك نستعين
لا لأن الأسباب لا قيمة لها، بل لأنها لا تعمل إلا بإذنك. ولا لأن الناس لا ينفعون، بل لأن نفعهم لا يتجاوز ما كتبتَه لهم. ولا لأننا أقوياء، بل لأننا عرفنا أخيرًا مقدار ضعفنا، وأن أعظم القوة أن نعرف إلى من نمدّ أيدينا.
كم مرة استعنتَ بنفسك فخذلتك؟ وكم مرة استعنت بخبرتك فضاقت بك السبل؟ وكم مرة ظننت أن شخصًا بعينه هو باب الخلاص، فلما أُغلق بابه، اكتشفت أن أبواب الله لا تُغلق؟
إنها ليست جملة تُقال في الصلاة على عجل، بل موقف وجودي كامل.
أن تعيش وأنت تعلم أن نجاحك بالله، وصبرك بالله، وثباتك بالله، وأن قلبك الذي ينهض كل مرة بعد انكساره، إنما ينهض لأن الله أعانه.
إيّاك نستعين
حين تضيق بك الحياة فلا تجد الكلمات. وحين تقف أمام أمرٍ أكبر من قدرتك. وحين تتعثر خططك وتخذلك حساباتك. وحين تخاف على من تحب، ولا تملك لهم إلا الدعاء.
إيّاك نستعين
أي: يا رب، لا تكلني إلى نفسي طرفة عين. فإن نفسي تضعف، وتجزع، وتتيه. ولكن إذا كنتَ معي، هانت عليَّ الطرق الوعرة، وخفَّت أثقال الأيام، وصار المستحيل احتمالًا ينتظر أمرك.
ما أعمق هذه الآية بدأت بالعبادة وانتهت بالاستعانة، وكأنها تخبرك أن أقرب الناس إلى عون الله، أكثرهم افتقارًا إليه، وأكثرهم اعترافًا بأنهم لا يملكون من أمرهم شيئًا إلا ما أعانهم الله عليه.
فإذا ضاقت بك الدنيا، ولم تعرف من أين يبدأ الفرج، فلا تبحث أولًا عن ما في يدك
ابحث عمّا في قلبك.
واسأل نفسك: على من أتوكأ حقًّا؟
ثم قلها بصدقٍ من أنهكته الحياة، وبطمأنينة من عرف ربَّه:
إيّاك نستعين فإنه ما استعان بالله أحدٌ صادقًا، ثم ضاع.
1June 14, 2026 1.3K 6