٢- المستوى العلمي والمعرفي:- التعلم والتعليم
من لوازم الولاية طلبُ علمه الشريف، والسعيُ الحثيث لتلقّي ما صدر عنه من علوم في العقائد والفقه والأخلاق والتفسير. وقد قال "عليه السلام":-" لَيْسَ الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ إِنَّمَا هُوَ نُورٌ يَقَعُ فِي قَلْبِ مَنْ يُرِيدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُبْدِيَهُ" [١] .
وعليه، فالتحصيل العلمي لا يقف عند حدود التلقي، بل يتعدّاه إلى نشر علومه بين الناس، وبثّ معارفه وأحاديثه، ليكون المؤمن داعيةً إلى الحق بسيرته ولسانه، ومُعرّفاً بمقام إمامه بين العباد .
٣- المستوى العملي والسلوكي:- الاقتداء والتطبيق
لا معنى للولاية إن لم تُترجم إلى عمل وسلوك. فالاقتداء بسنته "عليه السلام" يعني أن تكون حياته قدوةً تُحتذى، وأن تُجعل أخلاقه مناراً يُهتدى به في العبادات والمعاملات والآداب .
فالمطلوب أن يكون المرء "صادقياً" في سلوكه، لا شيعياً بالاسم فحسب، وذلك بالالتزام بفقهه وأحكامه الشرعية المنقولة عن رواته وتلامذته، وبالرجوع في عصر الغيبة إلى المرجعية الدينية العليا التي تمثّل امتداد خطه .
٤- المستوى الروحي والعبادي:- التقرب والاتصال
الارتباط الروحي بالإمام الصادق "عليه السلام" يتجلّى في الصلاة والسلام عليه، وفي زيارته من قربٍ أو بُعد، فإنّ الزيارة تجدد العهد وتعمّق الولاء وتقرّب العبد من شفاعته يوم القيامة .
كما أنّ التوسل به، والاعتقاد بأنّه وسيلة إلى الله وواسطة فيضه، له أعظم الأثر في تزكية النفس، وصياغة الشخصية المؤمنة، وفتح أبواب الكمال الإنساني . وقد ورد في الحديث الشريف:- "مَنْ أَرَادَ اللَّهَ بَدَأَ بِكُم" [١] .
٥- المستوى الاجتماعي والدعوي:- نشر منهجه
من مقتضيات الولاء الدفاعُ عن مقامه الشريف، وردّ الشبهات المثارة حوله وحول المذهب، بالحكمة والموعظة الحسنة، بل إنّ التخلّق بأخلاقه "عليه السلام" هو في ذاته صورةٌ من صور الدفاع عن المذهب الحق، كما قال "عليه السلام":-" يَا زَيْدُ خَالِقُوا النَّاسَ بِأَخْلَاقِهِمْ صَلُّوا فِي مَسَاجِدِهِمْ وَعُودُوا مَرْضَاهُمْ وَاشْهَدُوا جَنَائِزَهُمْ وَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَكُونُوا الْأَئِمَّةَ وَالْمُؤَذِّنِينَ فَافْعَلُوا فَإِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ قَالُوا هَؤُلَاءِ الْجَعْفَرِيَّةُ رَحِمَ اللَّهُ جَعْفَراً مَا كَانَ أَحْسَنَ مَا يُؤَدِّبُ أَصْحَابَهُ وَإِذَا تَرَكْتُمْ ذَلِكَ قَالُوا هَؤُلَاءِ الْجَعْفَرِيَّةُ فَعَلَ اللَّهُ بِجَعْفَرٍ مَا كَانَ أَسْوَأَ مَا يُؤَدِّبُ أَصْحَابَهُ" [١] .
ويتأكّد هذا الواجب بإحياء أمره، عبر إقامة المجالس لذكراه، ونشر تراثه العلمي، والاحتفاء بولادته، وإحياء ذكرى شهادته .
٦- المستوى الوجداني والعاطفي:- إظهار الحب والتأسي
لا يكتمل الولاء إلا بمشاركة الإمام، "عليه السلام" في أحواله:- حزناً لحزنه، وفرحاً لفرحه. فالبكاء على مصيبته، والتأسي بظلامته، من أبرز صور الارتباط القلبي به، كما أنّ الفرح بمولده، وإظهار السرور بولادته، شكرٌ لله تعالى على نعمة وجوده في الأمة .
الخاتمة
إنّ حياة الإمام الصادق "عليه السلام" هي الصورة الأكمل للإنسان الإلهي، والمثال الأسمى للقيادة الرباني، فهو العالم العامل، العابد القائد، الزاهد المجتهد، الحليم الشجاع، وهو قدوة في كل مفصل من مفاصل الحياة:- في المسجد، في المدرسة، في السوق، في البيت، في مواجهة الطغاة، وفي التعامل مع الصديق والعدو .
ومن هنا، فإنّ أعظم دروسه أنّ الإسلام دينُ حياةٍ متكامل، لا ينفصل فيه العلم عن العمل، ولا السياسة عن الأخلاق، ولا الدنيا عن الآخرة، والطريق إلى هذا الكمال هو الاقتداء بهدي المعصومين "عليهم السلام"، الذين جسّدوا هذا المعنى أرقى تجسيد .