مِن المسائلِ الغائبةِ عن الأذهان: التفريقُ بين الاستغفارِ والتوبة؛… — أُنْس — TG.ME

مِن المسائلِ الغائبةِ عن الأذهان: التفريقُ بين الاستغفارِ والتوبة؛ فَمِن الناس من يُؤجِّل توبته واستغفارَهُ ظنًّا منه أنَّ القبول مشروطٌ بالكمال، ويتغافل عن أنَّ الاستغفار قد يكون سببًا للمغفرة بذاتِه، ولو لم تصحبْهُ توبةٌ كاملة. ولأجلِ ذلك تتجلَّى سعةُ رحمةِ اللهِ في تعداد الوسائل وتيسير الأسباب، حتى لا يُحرمَ العبد الخير بحال، ولا يقنط من رحمة ربه.

ولكي يتَّضح هذا المعنى، يجدرُ بنا التمييزُ بين المفهومَين:
التوبةُ، وهي: الندمُ على الذنب، والإقلاعُ عنه، والعزمُ على عدم العودة، ويُستعانُ على ذلك بالدعاء والصلاة —صلاة التوبة—وسائرِ أسبابِ الثبات.

أمَّا الاستغفارُ فهو: سؤال الله المغفرةَ باللسانِ والقلب، وقد يتجرَّدُ عن الإقلاع.

ومِن هذا التمييزِ تتبيَّنُ لنا مراتبُ الاستغفارِ ودرجاتُه:
المرتبةُ الأولى: الاستغفارُ المقرونُ بالتوبة، وهي أكملُ المراتب؛ إذ يجمع العبد بين سؤال المغفرة مع حقيقةِ الرجوعِ إلى الله، بالندم، والإقلاع، والعزم على عدم العودة.

المرتبةُ الثانية: الاستغفارُ بالقلبِ واللسانِ دون إقلاع؛ وهي دونَ الأولى لكنها محمودة؛ إذ يلوم العبد نفسه، فيبادرُ إلى الاستغفار، غيرَ أنَّ غلبةَ الشهوةِ تحولُ بينهُ وبين الإقلاع. وهذا وإن لم يكن توبةً تامة، فهو عملٌ صالح وسؤالٌ صادقٌ يُرجَى للعبدِ بهِ الفضلُ والمغفرة.

المرتبةُ الثالثة: الاستغفارُ باللسانِ مع غفلةِ القلب؛ وهي أدنى المراتب، ومع ذلك لا يخلو صاحبُها من خير؛ إذ يحصلُ لهُ أجرُ الذِكرِ والاستغفار.

على أنَّ هذه المراتب تُبيِّنُ أنَّ الجمعَ بين الاستغفار والتوبة هو عينُ الكمال؛ فإن كان الاستغفارُ مع الذنبِ عملاً صالحًا يُرجى بهِ الفضل، فإنَّ الأكملَ أن يقترنَ بالتوبة. ولهذا كان النبيُّ ﷺ يُكثرُ من الجمعِ بينهما في هَديِه، فيقول: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً». ولا ينبغي للعبدِ أن ييأسَ أو يقنَطَ إن لم يتهيّأ له هذا الجمع، بل يواصلُ الاستغفارَ ويبسطُ أملَهُ في رحمةِ رَبِّه.

وهذا مما يبعثُ على حسنِ الرجاء؛ فليسَ العبدُ محصورًا في بابٍ واحدٍ من أبواب القَبول، ولا ينبغي لهُ أن يتركَ الاستغفارَ بحجةِ أنهُ لم يبلغ بعدُ كمالَ التوبة، بل يستغفر ويجاهد، حتى يفتحَ اللهُ عليهِ باب الإقلاعِ والثبات.

أُنْـس
August 21, 2026 161 2