مقال: بين الدُّعاء والابتلاء قد يبالغ الإنسان في إلحاحه بالدعاء بطلب… — أُنْس — TG.ME

مقال: بين الدُّعاء والابتلاء

قد يبالغ الإنسان في إلحاحه بالدعاء بطلب أمرٍ يظنه محض خيرٍ له، وهو في طوِيَّته أصلُ شرِّه وسببُ هلاكه؛ إذ يحكم العبدُ عادةً على الأشياء بظواهرها، ويقيسها على رغبته العاجلة، لا على حقيقتها ومآل عاقبتها.

ولهذا قيل في تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا﴾: «إن الإنسان قد يلح في طلب ما يعتقد أن الخير فيه، مع أن ذلك الشيء يكون منبع شره وضرره، وإنما يحمله على ذلك جهله بحقيقة الأمر، وعجلته، واغتراره بظواهر الأشياء دون التثبت في عواقبها.»

وجاء قوله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ ليقرر قاعدةً ربانيةً عظيمة: أن إدراك الإنسان قاصر، وأن ميزانه في الحكم على الأشياء كثيرًا ما يخطئ؛ لأنه مبني على الهوى والعجلة، لا على العلم والإحاطة.

وقد بيَّن ابن القيم رحمه الله أن العبد قد يكره ما فيه صلاح دنياه وآخرته، ويحب ما فيه فسادهما. ثم قرر أن الإنسان—كما وصفه خالقه—ظلوم جهول، فلا ينبغي أن يجعل معيار النفع والضر مجرد ميله وحبه، أو نفوره وبغضه، وإنما المعيار الحق هو ما اختاره الله لعبده. ولهذا كان من كمال معرفة العبد بربه، وبأسمائه وصفاته، أن يوقن بأن ما ينزل به من المكروهات والابتلاءات يشتمل على مصالح وحكم تفوق ما يدركه عقله، وأن مصلحته كثيرًا ما تكون فيما يكره، كما أن أسباب هلاكه كثيرًا ما تكون فيما يحب.

ويذكر ابن القيم رحمه الله في استخراج لطائف الآية السابقة: "ومن أسرار هذه الآية: أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور، والرضا بما يختاره له ويقتضيه له، لما يرجو من حسن العاقبة.

ومنها: أنه لا يقترح على ربه، ولا يختار عليه —بما في ذلك لا يؤقِّت له الإجابة—، ولا يسأله ما ليس له به علم. فلعل مضرته وهلاكه فيه. وهو لا يعلم. فلا يختار على ربه شيئا، بل يسأله حسن الإختيار له، وأن يرضيه بما يختاره.

ومنها: أنه إذا فوض إلى ربه ورضي بما يختاره له أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر، وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه. وأراه من حسن عواقب اختياره ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه.

ومنها: أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الإختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات، التي يصعد منها في عقبة، وينزل في أخرى. ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضي باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم عنده غير ملطوف به فيه، مع اختياره لنفسه.

أُنْـس
July 25, 2026 167