البله والجهل الممدوحان
قال أبو طالب المكي:
«وكان الشعبي رحمه الله تعالى إذا نظر إلى ما أحدث الناس من الرأي والهوى يقول: «لقد كان القعود في هذا المسجد أحبّ إليّ مما يعدل به فمذ صار فيه هؤلاء المراؤون فقد بغضوا إلي الجلوس فيه ولأن أقعد على مزبلة أحب إليّ من أن أجلس فيه»، وكان يقول: «ما حدثوك عن السنن والآثار فخذ به وما حدثوك عما أحدثوا من رأيهم فامخط عليه»، وقد قال مرة: «فبل عليه»، وقد كان السلف يستحبون العي والبله عن علوم المعقول.
وقد جعله رسول الله صلى الله عليه وسلم من الإيمان إذ قرنه بالحياء فقال: «الحياء والعي شعبتان من الإيمان والبذاء والبيان شعبتان من النفاق»، وقال عليه السلام: «أبغض الخلق إلى الله عز وجل البليغ الذي يتخلل الكلام بلسانه كما يتخلل الباقر الخلا بلسانها» -يعني الحشيش الرطب-، وقال في حديث آخر: «العيّ عن اللسان لا عيّ القلب»، وقال: «إن الله عز وجل كره لكم البيان كل البيان».
فصار الفقه إنما هو فقه القلب عن الرب سبحانه وتعالى وصار فقه اللسان بالبيان إنما هو عيّ القلب عن الشهادة والإيقان وعيّ اللسان وطول الصمت الذي كان يستحبه السلف هو اليوم عيب، ومن المتكلمين من لا يعرف من كلام البدع وعلم المنافقين الذي ذمه القدماء هو اليوم سنّة وأهل النطق به هم العلماء اليوم، ولقد صار المعروف منكراً والمنكر معروفاً وصار السنّة بدعة والبدعة سنّة، وكذلك جاءت به الأخبار في وصف علماء آخر الزمان.
وفي الخبر المشهور: «إن الله تعالى يبغض الثرثارين المتشدقين»، فمن غلب عليه هذا الوصف فكان متشدقاً بليغاً في علم الرأي والمعقول عيي القلب عن مشاهدة اليقين وعلم الإيمان كان إلى النفاق أقرب، ومن حقيقة الإيمان أبعد، وقد كان أبو سليمان الداراني يقول: «لا ينبغي لمن ألهم شيئاً من الخيرات أن يعمله حتى يسمع به في الأثر فيحمد الله تعالى إذا وافق ما في نفسه» [1].
وهذه الكلمات تصف زماننا أكثر مما مضى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]: قوت القلوب لأبي طالب المكي ¦ الجزء: 1 ¦ الصفحة: 285 ¦ طبعة: دار الكتب العلمية
6June 17, 2026 1.4K 36 16