أبو عبد الأعلى | محمد بن سيد الألباني: post #3423 — TG.ME

مسألة: (حديث النفس)

قال الشيخ ابن تيمية:
«فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ». ليس المراد أنه لا يتكلم به بلسانه، بل المراد أنه ذكر الله بلسانه.

وكذلك قوله: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾، [سورة الأعراف: 205]، هو الذكر باللسان، ‌والذي ‌يقيد ‌بالنفس لفظ الحديث يقال: حديث النفس، ولم يوجد عنهم أنهم قالوا: «كلام النفس وقول النفس»؛ كما قالوا: «حديث النفس»؛ ولهذا يعبر بلفظ الحديث عن الأحلام التي ترى في المنام» [1].

في هذه الأيام يدور سجال بين المنتسبين للسنة حول قول أحدهم: «لله كلام نفسي» -بحسب ما وصلني-، وبعضهم رد عليه، والآخر جعل قوله بدعة.

وأحببت أن أبتدأ الكلام بهذا النقل -المستفاد- عن الشيخ ابن تيمية في ضبط اصطلاح المسألة وهى (حديث النفس) وليس (الكلام النفسي) كما أحدثه الجهمية.

أما صاحب اللفظ المثير للجدل فهو من المثبتين للحرف والصوت في الخارج، ويثبت تعاقب الحروف ، والكلام بحد أولى.

لذلك تقريره بالكلام النفسي -حسب زعمه- لا يقاس على قول الجهمية الذين أرادوا به نفي الكلام من أصله بنفي حرفه وصوته.

والذي أدين الله به في الأمر هو نقل وقفت عليه للشيخ الإمام الحافظ أبي عبد الله عبيد الله ابن بطة العكبري الحنبلي البغدادي رحمه الله تعالى حيث قال:
«فمما ‌يحتج ‌به ‌على ‌الجهمية أن يقال لهم: أرأيتم إذا مات الخلق كلهم فلم يبق أحد غير الله من القائل: ﴿لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾[سورة غافر: 16] وقد مات كل مخلوق، ومات ملك الموت، ثم يرد ربنا تعالى على نفسه فيقول: ﴿لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾[سورة إبراهيم: 48]، فإن قالوا: «إن هذا القول مخلوق»، فقد زعموا أنه يبقى مخلوق مع الله، وإن قالوا: إن الله لا يقول، ولكنه أخبر بما يدل على عظمته، فقد كذبوا كتاب الله وجحدوا به وردوه، أرأيت إن قائلا قال: إن الله عز وجل لا يقول يوم القيامة ﴿لِمَنْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾[غافر: 16]، أليس يكون كاذبا ولكتاب الله رادا، فأي كفر أبين من هذا؟» [2].

فقد بين الإمام هاهنا أن الله يفني العالم ثم يتكلم بحرف وصوت ويرد على كلامه.

فهذا هو معنى حديث النفس عندهم.

فإن اعترض معارض بقوله: «إن الجنة والنار خلقتا للبقاء لا للفناء، والعرش يكلم الله عند قبضه جبريل وميكائيل -فيما ورد في أحاديث الأهوال- وهو مخلوق عند خلق السماوات والأرض، والحور العين مخلوقات باقيات؛ فكيف لا يكون هناك مخلوق يسمع وهؤلاء مخلوقون موجودون؟»

يقال له: إن الملائكة لا تعلم شيئا إلا أن يشاء الله لها أن تعلم، قال تقدس اسمه: ﴿قَالُواْ سُبۡحَٰنَكَ لَا عِلۡمَ لَنَآ إِلَّا مَا عَلَّمۡتَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [سورة البقرة: 32]، والساعة لا يعلمها ملك أو نبي إلا أن يشاء الله بها أن تحل، حتى أن نافخ الصور لا يدري متى هى، قال الإمام أحمد رضي الله عنه:
«حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن الأعمش، عن العوفي، عن أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «كيف أنعم ‌وصاحب ‌الصور قد التقم الصور، وحنى جبهته، وأصغى سمعه، ينتظر متى يؤمر» [3].

ففي هذه إشارات لكون الله يجوز أن يقول قولا لا يعلمه أحد من خلقه إلا أن يشاء، وعلى هذا يكون قول الإمام ابن بطة محمولا على كونه يتكلم بحرف وصوت يسمع نفسه ولا يسمع غيره من المخلوقات التي صنعت للبقاء.

وعلى هذا تحمل الأحاديث والآيات الواردة في صفة ذكر النفس له سبحانه وتعالى.

أما الزعم أن القائل بكلام النفس دون صوت قائل ببدعة هو مجانب للصواب، حيث يمكن أن يحتمل لقائله أن يقف على كلام الذهبي -المعظم عند بعضهم- واختار هذا القول بما وجه به الذهبي الآيات -وهذا حدثني به أحد الإخوة-.

والأمر يخفى في ظل الأحاديث والآيات التي قد توجه على كلام في النفس دون صوت.

فما ننقم عليهم إلا قلة البحث والاطلاع واستخدام ألفاظ المعطلة بالارتكاز على توجيه شخص ذكره الشيخ ابن باز بقلة التحرير العقدي، ولنا في قوله في الكرابيسي وقفة حول مدى اطلاعه في هذه المباحثات.

وهذا ليس دفاعا عن أحد بقدر ما هو تدين بقول ما.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[1]: الإيمان لابن تيمية ¦ الصفحة: 111 إلى 112 ¦ تحقيق: محمد بن نوح بن نجاتي الألباني الأشقودري ¦ طبعة: المكتب الإسلامي - 1416هـ/1996م
[2]: الإبانة الكبرى لابن بطة ¦ الجزء: 2 ¦ الصفحة: 270 ¦ تحقيق: عادل آل حمدان الغامدي ¦ طبعة: دار المنهج الأول - 1436هـ/2015م
[3]: المسند للإمام أحمد ¦ الجزء: 18 ¦ الصفحة: 228 ¦ طبعة: دار الرسالة - 1421هـ/2001م
👍5⚡1💯1🤣1
April 28, 2026 1.2K 11 38