لا ينقضي العجب من هذه الأيام؛ كيف تتقاصر في أعيننا وهي تقتطع أعمارنا قطعة قطعة؟!، وكيف يسلّم الصباح زمامه للمساء، ثم ينطوى الأسبوع حتى يكاد أوله يلامس آخره، ثم تفجؤنا السنة وقد صارت رقماً نخطيء في تخمينه؟!، كأن الزمن صار أسرع من أن تلحقه الذاكرة. إنها الأعمار تمشي في هيئة أيام.وكل يوم ينقضي يأخذ معه جزءاً منك لا يعود، وكل ساعة تعبر تترك في صحيفة العمر موضعاً قد امتلأ وانغلق. فطوبى لمن عرف قيمة هذا السيل قبل أن يبلغه المصب، وحفظ أيامه من التبدد، وجعل لكل ساعة ذخيرة عند الله.ولهذا جاءت الشريعة كأنها تمسك بيد المؤمن وهو يعبر هذا السيل المتلاطم من الأيام، فتوزع له الذكر على مفاصل يومه: صلاة بعد صلاة، وذكراً في الصباح، وذكراً في المساء، وتسبيحاً وتهليلاً واستغفاراً يرافق الأنفاس؛ حتى يتحول مرور الزمن نفسه إلى باب قربة، وحتى لا يكون انقضاء الساعات نقصاً مجرداً من العمر، وإنما انتقال من زاد إلى زاد. ثم يبقى التوفيق لذلك كله منحة من الله، وفتحاً يختص به من شاء من عباده.ومن هنا تظهر فداحة الغفلة: فاللذة المحرمة نفسها محكومة بقانون الزمن الذي يلتهم الأيام؛ تمر ساعتها، وتبرد حرارتها، وينقضي طعمها، ثم يبقى وزرها وحسرتها. والطاعة يجري عليها الزمن نفسه؛ تنقضي مشقتها، وتسكن كلفتها، ثم يبقى نورها ولذتها وأجرها.يا لعظة هذه المقارنة: كلاهما ساعة تمضي، غير أن ساعة تكتب في صحيفة الندم، وساعة تصعد بك إلى الله.فاحفظ عمرك؛ فإنك تراه الآن ينسل بين يديك، ويوشك أن تفيق يوماً فلا تجد في الكف إلا ما قدمت، ولا في العمر إلا ما أبقيت.
د.خالد أبا الخيل