وهذه الصورة تمنح العقل مقامًا يتجاوز التفكير المجرد؛ إنه مركز انتظام… — آراءُ أهل الحكمةِ — TG.ME

وهذه الصورة تمنح العقل مقامًا يتجاوز التفكير المجرد؛ إنه مركز انتظام الإنسان كله. فالفكرة تصير ميلًا في القلب، والميل يصير إرادة، والإرادة تصير فعلًا، والفعل يصير عادة، والعادة تصير خلقًا، والخلق يصير صورةً لصاحبه.
وهكذا يمكن أن نفهم قول الإمام علي (ع) [ بالعقل صلاح كل أمر ]. فصلاح الأمور يبدأ من صلاح المبدأ الذي تتولد منه الأفكار والاختيارات.
وأما الذكاء، فهو قوة نافعة في هذه المملكة؛ به تسرع النفس إلى إدراك العلاقات، وتستخرج الوسائل، وتحل المشكلات. والعلم مادة عظيمة للعقل؛ به تتسع دائرة ما يعرف الإنسان. غير أن الحكمة تبدأ حين ينتظم العلم والقدرة والغاية في صورة واحدة، فيعرف الإنسان ما ينبغي أن يعرف، ويضع كل معرفة في موضعها، ويجعلها معينةً له على بلوغ الغاية التي خُلق لها.
وعلى هذا يكون العقل الإلهي في التصور الإسلامي نورًا يسري في مراتب الإنسان؛ يبدأ إدراكًا، ثم يصير تمييزًا، ثم يتحول إلى حكمة، ثم يظهر في الإرادة والعمل. وكلما ازداد الإنسان عقلًا ازداد قدرةً على رؤية الروابط بين الأشياء، وعلى معرفة العواقب، وعلى ضبط قواه، وعلى السير نحو الخير.
فالعقل بهذا المعنى رحلة الإنسان من التفرق إلى الجمع، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الهوى إلى الحكمة، ومن المعرفة إلى العمل. وهو الميزان الذي تتآلف فيه قوى الإنسان، حتى يصير عالمه الداخلي صورةً لنظام أوسع منه.
ولذلك كان العقل في الروايات قرين الدين؛ قال أمير المؤمنين (ع) [ على قدر العقل يكون الدين، على قدر الدين تكون قوة اليقين ]. فالدين عند الإنسان العاقل يتحول من صورةٍ مسموعة إلى حقيقةٍ معاشة، ومن ألفاظٍ محفوظة إلى بصيرةٍ توجه القلب والسلوك.
وهنا تلتقي الحكمة الفلسفية بالحكمة الإلهية في طلب الحقيقة، ثم يفترقان في أفق الغاية؛ فالحكمة الإنسانية تطلب معرفة الموجودات ومبادئها، أما الحكمة الإلهية فتضيف إلى معرفة الموجودات معرفةَ وجهة الإنسان بينها، ومصيره، ومسؤوليته، وما الذي يجعل حياته مستقيمة في نفسها وفي علاقتها بخالقها.
وهكذا يظهر العقل في أصفى معانيه؛ نورًا في النفس، وحجةً في الباطن، وأداةً للمعرفة، وميزانًا للإرادة، وقوةً تحفظ الإنسان من أن تتحول معرفته إلى عبث، وقدرته إلى فساد، وشهوته إلى سلطان.
فغاية العقل أن يبلغ بصاحبه الحكمة؛ وغاية الحكمة أن تهدي العمل؛ وغاية العمل أن يوافق الحق. وعند هذه الغاية يكتمل الإنسان في عقله، لأن العقل قد أدى رسالته حين صار الإنسان أقدر على رؤية الحق، وأصدق في اتباعه، وأحسن في حمل آثاره إلى العالم.
September 9, 2026 83 4