يُحكى أن امرأة عجوزاً وقفت يوماً بباب قيس بن سعد، وكانت من اللواتي أرهقهنَّ الفقر لكنها لا تزال تحتفظ بعزة نفسها، فلم تشأ أن تطلب المال صراحة، بل اختارت أسلوباً بلاغياً لطيفاً. وقفت المرأة أمام قيس وقالت له: "يا قيس، أشكو إليك قلة الجرذان في بيتي!" لو كان رجلاً غير قيس، لربما ظن أنها تطلب "قطاً" ليصيد الفئران، أو ربما سخر من غرابة شكواها. لكن قيس بن سعد، الذي تربى في بيت سيادة، فهم فوراً ما وراء الكلمات. ابتسم قيس ابتسامة رقيقة التقدير وقال لها: "ما أحسن هذه الكناية يا امرأة! والله لأملأنَّ بيتكِ حتى لا تجد الجرذان مكاناً تنام فيه!" لقد أدركت فطنته أن الجرذان لا تهجر إلا البيوت التي خلت من الطعام والفتات، فشكواها كانت أبلغ تعبير عن شدة جوعها وفراغ دارها. لم يكتفِ قيس بإعطائها القليل، بل أمر غلمانه فوراً بما يلي: * حَمْلُ قوافل من الدقيق والسمن والتمر. * إرسال كميات من اللحم والزيت. * أمر لها بكسوة كاملة ومبلغ من المال لتعيش في رغد. وبالفعل، تحول بيتها في ساعات من بيتٍ مهجور يابس، إلى بيت تملؤه الخيرات، ووفى قيس بوعده بأن "تجد الجرذان فيه ما تأكله" من كثرة النعمة التي أغدقها عليها. تعكس هذه القصة أن الكرم عند قيس لم يكن مجرد توزيع للمال، بل كان: * تقديراً للمشاعر: لم يحرج المرأة بل أثنى على بلاغتها. * ذكاءً اجتماعياً: فهم حاجة السائل قبل أن ينطق بها صراحة. * لم يُعطِ على قدر السؤال، بل على قدر مقامه كجواد العرب.
111
11
5