∫: post #566 — TG.ME

غالباً ما يتم تعريف المهندس الخبير أو المهندس المحترف بأنه مهندس ذو خبرة طويلة في تخصص معين، وهذا التعريف، في الحقيقة، ليس سوى جزءٍ بسيط من التعريف الصحيح. يعرّف مؤلفو المصدر المعروف لأخلاقيات المهن الهندسية Engineering Ethics: Concepts and Cases المهنة الهندسية بأنها ترتكز على عنصرين لا يمكن إطلاقاً الفصل بينهما، وهما: الخبرة الفنية، والالتزام الذاتي بالمبادئ الأخلاقية التي تنظم ممارسة المهنة. وهذا الربط بين العنصرين ينتج عنه فهمٌ واضح بأن الإخلال بأحدهما يعني إخلالاً بالتعريف، أي إخلالاً بالمهنة بكاملها. إن الالتزام بالخبرة الفنية مع المبادئ الأخلاقية للمهن الهندسية ينقل المفهوم من مستوى المعرفة الفنية فقط إلى مستوى المسؤولية التي يحملها صاحب المهنة تجاه المجتمع. وبهذا الالتزام، ينتقل التقييم من مستوى: ماذا يعرف المهندس المحترف أو ماذا يتقن، إلى مستوى آخر تماماً، وهو: كيف يستخدم هذه المعرفة لخدمة المجتمع. فالمهندس الذي يملك خبرة يكون ماهراً في تخصصه، ولكن من يملك الخبرة ويعرف كيف يوظفها في ضوء التزامه بالمبادئ الأخلاقية هو من يكون المهندس المحترف. هذا التعريف لا يبتعد كثيراً عما تكلمت به المدونة العراقية لأخلاقيات ممارسة المهن الهندسية رقم (2) لعام 2017، حيث عرّفت المدونة محتواها بأنه مجموعة أو منظومة من المبادئ الأخلاقية التي تنظم علاقة المهندس بالمجتمع، وأصحاب العمل أو المستفيدين، وأصحاب المهنة، والزملاء. وتشير مقدمة المدونة إلى أن الالتزام بهذه المبادئ لا يهدف فقط إلى منع الممارسات الخاطئة، بل يهدف إلى "تعزيز قدرة المهندس على التعامل المسؤول مع القضايا الأخلاقية، وضمان حقوق جميع الأطراف، واحترام حياة الإنسان ورفاهيته". في ضوء هذه التعريفات المختصرة والمركزة، يصبح واضحاً أن الإخفاقات الهندسية لا تعني بالضرورة قصوراً في المعرفة، وهذا ما تؤكده كثير من حالات الفشل في مشاريع عالمية ومحلية، والتي لم تكن، في غالبها، بسبب خطأ في الحسابات أو عدم فهم للمواصفات، بل كانت بسبب عدم الالتزام بالمبادئ الأخلاقية المهنية. في مناقشة بعض حالات الفشل الإنشائي المعروفة عالمياً، ومنها انهيار جسر كيبيك الذي وقع عام 1907 (Quebec Bridge)، يبين كتاب Beyond Failure أن الدروس التي يجب أن يتعلمها المجتمع من هذه الحالة لا تقتصر على الجانب الإنشائي، بل تشمل إعادة تعريف مسؤولية المهندس، وكذلك ضرورة وجود سلطة فنية قادرة على إيقاف العمل عند ظهور مؤشرات الخطر. ولذلك يوصي المصدر باستخدام هذه الحالة في تدريس الاحترافية والمسؤولية المهنية، وليس في تدريس التحليل الإنشائي فقط، الذي تغير كثيراً بعد الحادث. بالرغم من اختلاف الطريقة وأسلوب العرض بين المدونة العراقية والمدونات العالمية بهذا الخصوص، إلا أنها تتفق كثيراً على أن الكفاءة المهنية ضرورية لممارسة المهن الهندسية، لكنها غير كافية وحدها لصناعة المهندس المحترف؛ لأن الكفاءة وحدها تعني المهارة فقط، أما الاحترافية فتعني ممارسة هذه المهارة والكفاءة في ضوء مسؤوليات المهندس تجاه المجتمع بصورة عامة، وتجاه مهنته بصورة خاصة. الدكتور المهندس زياد كبة مهندس مدني استشاري – أستاذ مساعد

August 1, 2026 479 4