إنَّ لكل شيء في الحياة وحدةَ قياس، وللمثقف أيضًا وحدةُ قياسٍ تكشف حقيقة ثقافته، لا بما يحمله من أفكار، وإنما بقدرته على إبداء رأيه بحرية، حتى وإن خالف المألوف وتمرد على ما هو سائد ومعروف.
لكن الحكاية لا تنتهي عند امتلاك الجرأة على إبداء الرأي؛ فالمثقف الحقيقي يُختبر في مرحلة أكثر صعوبة: هل يستطيع أن يتقبل نقد فكرته، ورفضها، ومناقشتها، بل وحتى تسفيهها؟
فحين يدرك المثقف أن رأيه ليس بالضرورة الحقيقة الوحيدة، وأن الفكرة ليست حقيقة مكتملة لمجرد أنه يؤمن بها، سيتعامل معها بوصفها محاولةً للفهم، وتجربةً قابلةً للمراجعة، واختيارًا يمكن أن يصيب أو يخطئ.
وعندها يصبح النقد جزءًا طبيعيًا من حياته الفكرية، لا تهديدًا لذاته أو انتقاصًا من قيمته؛ لأن الأفكار لا تنضج بالتصفيق لها، وإنما تنمو بالحوار، وتشتد بالنقد، وتتطور بالمراجعة.
فليست قيمة المثقف في أن تكون فكرته فوق النقد، وإنما في قدرته على أن يجعل من النقد طريقًا لتطويرها.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




