أقسى ما في الكتمان أنك لا تخفي الكلام عن الآخرين فقط، بل تخفيه عن نفسك أيضًا.
تبدأ الحكاية بسرّ صغير، ثم يتحول السر إلى عادة، والعادة إلى جدار، حتى يأتي يوم لا تعرف فيه: هل أنت صامت لأنك لا تريد الكلام، أم لأنك نسيت كيف تتكلم؟
الكتمان يجعل الإنسان يعيش بحياتين؛
حياة يراها الناس، وحياة أخرى تحدث بالكامل داخل رأسه.
يضحك في الخارج، بينما في داخله حوار لم ينتهِ.
يسامح بلسانه، بينما ذاكرته ما زالت تحتفظ بكل التفاصيل.
يقول: «أنا بخير»، ليس لأنه بخير، بل لأنه تعب من شرح لماذا ليس بخير.
والغريب أن الإنسان لا يكتم دائمًا لأنه ضعيف؛
أحيانًا يكتم لأنه يعرف أن بعض الحقيقة إذا خرجت لن تعود الأمور كما كانت.
لذلك يصبح الصمت أحيانًا آخر وسيلة لحماية ما تبقى من الإنسان.
لكن للكتمان ثمنًا فلسفيًا عميقًا:
كل شيء لا تقوله يتحول إلى جزء من شخصيتك.
الكلمات التي ابتلعتها، الاعتذارات التي لم تقلها، الأسئلة التي خفت أن تسألها، والحب الذي أخفيته… كلها لا تختفي، بل تعيد تشكيلك من الداخل.
وربما لهذا السبب، بعض أكثر الناس هدوءًا ليسوا الأقل ألمًا، بل الأكثر امتلاءً بأشياء لم يجدوا شخصًا يستطيع فهمها.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال:
«لماذا تكتم؟»
August 20, 2026 89 2