الاحتفال بالمولد النبوي بين صدق العاطفة وكمال الاتباع
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن سار على هديه وسنته إلى يوم الدين، أما بعد:
فإن كل مؤمن يجب عليه أن يعظم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحبه، ولا يستكمل إيمانه حتى يكون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إليه من نفسه وأهله وماله، ومن أعظم مظاهر محبته وتعظيمه: كمال اتباعه صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾. (آل عمران31).
ومن كمال اتباعه صلى الله عليه وسلم اتباع أصحابه وأهل القرون الثلاثة الأولى المفضلة، الذين شهد لهم النبي صلى الله عليه وسلم بالخيرية، وكانوا أعلم الناس بسنته وأشدهم حرصًا على الخير.
أولًا: العبادات مبناها على الاتباع لا على مجرد حسن القصد:
إن العبادات والقربات لا تثبت بمجرد حسن القصد أو استحسان العقل، وإنما لا بد فيها من دليل شرعي، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من إحداث شيء في الدين فقال:
«فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة»، رواه أحمد يسند صحيح وفي الحديث الآخر: «وكل بدعة ضلالة». رواه مسلم.
والبدعة في باب العبادات ليست مجرد فعل شيء لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما هي إحداث عبادة أو هيئة في الدين لم يدل عليها الشرع.
ومن أقوى القرائن على عدم مشروعية الفعل التعبدي أن يقوم مقتضيه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وينتفي المانع من فعله، ثم لا يفعله صلى الله عليه وسلم ولا يأمر به، ولا يفعله أصحابه من بعده، مع كمال محبتهم وحرصهم على الخير.
وقد قال الإمام مالك رحمه الله، فيما نقله الشاطبي:
«من ابتدع في الإسلام بدعة يراها حسنة فقد زعم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم خان الرسالة... فما لم يكن يومئذ دينًا لا يكون اليوم دينًا». الاعتصام (1/28).
وقال الشاطبي رحمه الله: إن المبتدع لا يكتفي بمخالفة حكم جزئي، بل تتضمن بدعته استدراكًا على الشريعة، وكأنها لم تكمل حتى يضاف إليها ما لم يكن منها. الاعتصام (1/63 ـ 64).
ثانيًا: لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه الاحتفال بمولده:
لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن خلفائه الراشدين، ولا عن الصحابة والتابعين وتابعيهم أنهم اتخذوا يومًا من أيام السنة مناسبة للاجتماع والاحتفال بمولد النبي ، مع أن محبتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمهم له كانت أعظم من محبة من جاء بعدهم، وكانوا أحرص الناس على كل قربة يتقربون بها إلى الله تعالى
فلو كان اتخاذ يوم مولده موسمًا للاحتفال قربة شرعية، لكانوا أسبق الناس إليها، ولما وسعهم تركها مع قيام المقتضي ووجود القدرة.
وقد قرر الشاطبي رحمه الله أن المتقدمين من السلف كانوا أعلم بمقاصد الشريعة وأشد حرصًا على الخير، وأن ما فهموه من الشريعة وعملوا به هو الميزان الذي ينبغي أن يراعى عند النظر في المحدثات. الموافقات (1/21).
وقد ظهر الاحتفال بالمولد في عصور متأخرة، واشتهر عند الفاطميين ثم انتشر بعد ذلك في بلاد المسلمين بصور مختلفة، وهذا وحده لا يكفي للحكم على الفعل، وإنما العبرة بمدى ثبوته في الكتاب والسنة وهدي القرون المفضلة كما سبق.
ثالثًا: لا يصح تخصيص الثاني عشر من ربيع الأول بالاحتفال:
اختلف العلماء والمؤرخون في تعيين يوم مولد النبي صلى الله عليه وسلم اختلافًا مشهورًا، ولم يثبت بدليل صحيح صريح أن يوم الثاني عشر من ربيع الأول هو يوم مولده وإن كان هو الأشهر.
كما أن تحديد يوم وفاته صلى الله عليه وسلم وقع فيه خلاف بين أهل العلم، وإن اشتهر عند كثير من أهل السير القول بالثاني عشر من ربيع الأول.
وعليه، فلا يصح بناء شعيرة دينية أو عيد على تاريخ لم يثبت تعيينه بدليل شرعي.
والأهم من ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يشرع لأمته الاحتفال بيوم مولده أصلًا، ولم يجعل ذلك اليوم عيدًا أو موسمًا دينيًا، ولم يفعل ذلك أصحابه من بعده.
رابعًا: السنة بينت لنا ما يتعلق بمولده ﷺ:
لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن صيام يوم الاثنين قال: «ذاك يوم وُلدت فيه، ويوم بُعثت، أو أُنزل عليّ فيه» رواه مسلم.
فالنبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أخبرنا بفضيلة يوم مولده، لكنه لم يأمر أمته باتخاذ يوم في السنة للاحتفال به، وإنما كان يصوم يوم الاثنين.
وهذا يدل على أن تعظيم هذه النعمة يكون بالعبادة التي شرعها النبي صلى الله عليه وسلم، لا بإحداث هيئة أخرى لم يشرعها.
كما أن جعل يوم معين عيدًا أو موسمًا متكررًا يحتاج إلى دليل؛ لأن الأعياد والشعائر الدينية من أمور الشرع التي لا تثبت بمجرد العادات أو العواطف.
خامسًا: المحبة الحقيقية تكون بالاتباع:
إن محبة النبي صلى الله عليه وسلم ليست مجرد عاطفة، وإنما حقيقتها الاتباع والطاعة والتسليم.
قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾.آل عمران (31).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في اتخاذ مولده عيدًا:
«ولو كان هذا خيرًا محضًا، أو راجحًا، لكان السلف رضي الله عنهم أحق به منا، فإنهم كانوا أشد محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له منا... وإنما كمال محبته وتعظيمه في متابعته وطاعته واتباع أمره وإحياء سنته». اقتضاء الصراط المستقيم (2/614 ـ 615)
فليس من الصواب أن نجعل الاحتفال بالمولد هو المعيار الذي تقاس به محبة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أن يُظن بمن تركه أنه أقل محبة وتعظيمًا له.
بل إن أعظم علامات المحبة: المحافظة على سنته، وتعظيم أمره ونهيه، وإحياء هديه، ونشر سيرته، والاقتداء بأخلاقه، والصلاة والسلام عليه.
سادسًا: فعل بعض العلماء والصالحين المتأخرين لا يثبت به التشريع:
يحتج بعض الناس بفعل عدد من العلماء والصالحين المتأخرين للمولد، وهذا لا يكفي لإثبات عبادة أو شعيرة لم يدل عليها الكتاب والسنة ولم تكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فالعالم مهما بلغ فضله ليس معصومًا، والعبرة بالدليل.
وقد حذر الشاطبي رحمه الله من تقديم أعمال المتأخرين على الدليل، ومن جعل مجرد عمل بعض الفضلاء حجة مستقلة في إثبات القربات.
ولهذا ينبغي أن يكون الموقف من المسألة قائمًا على الدليل، مع حفظ مكانة العلماء والصالحين وعدم الانتقاص منهم.
سابعًا: مع بياننا أن الاحتفال بالمولد ليس من هدي النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، فإننا لا ننظر إلى إخواننا المسلمين الذين يحتفلون بالمولد نظرة ازدراء أو احتقار.
فكثير منهم إنما يفعل ذلك محبة للنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمًا له، وحسن القصد لا يجعل الفعل مشروعا إذا لم يوافق السنة، كما أن الخطأ في العمل لا يعني بالضرورة فساد القصد.
فالواجب أن يكون خطابنا قائمًا على المحبة والرحمة والنصح، وأن نفرق بين بيان خطأ الفعل وبين الحكم على الأشخاص.
ثامنًا: يمكن تحقيق مقاصد التعريف بالنبي صلى الله عليه وسلم من غير احتفال:
إننا لا نقف في وجه التعريف بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا في وجه محبته وتعظيمه، بل ندعو إلى أن يكون ذلك على مدار العام وبالوسائل المشروعة.
فيمكن:
- تخصيص خطب الجمعة في شهر ربيع الأول للحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته وشمائله وأخلاقه.
- إقامة الدروس والمحاضرات في المساجد للتعريف بهديه وسنته.
- تعليم الناس أن أعظم مظاهر محبته صلى الله عليه وسلم هو اتباعه وطاعته.
- التعريف بسيرته وأخلاقه عالميًا، وإطلاق الحملات التي تعرف الناس بحقيقة الإسلام وبشخصية نبيه صلى الله عليه وسلم.
- بيان مواقفه في الرحمة والعدل والعفو والجهاد والدعوة والتعامل مع المخالف.
- تذكير الأمة بأن نصرة النبي صلى الله عليه وسلم لا تكون بالمظاهر الموسمية وحدها، وإنما بإحياء دينه وهديه والعمل به والدفاع عنه ونشر رسالته.
وهكذا نحقق مصالح التعريف بالنبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه ومحبة سيرته، من غير أن نجعل مناسبة لم يشرعها النبي صلى الله عليه وسلم شعيرة دينية.
أليس هذا أتقى لله، وأقرب للسنة، وأبلغ في ترسيخ محبته وتعظيمه في القلوب؟
ختاما: إن تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم واجب من أعظم واجبات الدين، ومحبة النبي صلى الله عليه وسلم من أصول الإيمان، لكن المحبة الصادقة لا تنفصل عن الاتباع قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.الأحزاب (21).
وإن أمتنا اليوم أحوج ما تكون إلى العودة إلى سنة نبيها صلى الله عليه وسلم، والاعتصام بهديه، وإحياء سنته في العقيدة والعبادة والأخلاق والمعاملات والسياسة والاجتماع وكل دروبها.
وإن القدس والأقصى بحاجة منا اليوم إلى الاتباع والاعتصام بالسنة والعض عليها بالنواجذ؛ فإن صلاح آخر هذه الأمة لا يكون إلا بما صلح به أولها.
فطريق نصرة الدين وتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم هو الاتباع، والاعتصام بالسنة، وإحياء هديه، واجتناب المحدثات.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا صدق محبته صلى الله عليه وسلم، وحسن اتباعه، والاقتداء بهديه، وأن يجمع الأمة على الحق والهدى.
وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

