منذ أعوام، وأمي تردد على مسامعي جملةً كنت أسمعها ثم أمضي، حتى كبرتُ قليلًا، وصرتُ أفهم أن بعض الكلمات لا يُدرك القلب ثقلها إلا حين تُعلّمه الحياة معناها:
«اخدمي على دنيتك وكأنكِ تعيشي دهر، واخدمي على آخرتك كأنكِ تموتي غدوة.»
ولعلّ أقسى ما في الدنيا أن الإنسان لا يعرف أيَّ يومٍ سيكون آخر أيامه، ولا أيَّ طريقٍ سيمشيه للمرة الأخيرة، ولا أيَّ كتابٍ سيغلقه ولن يعود إليه.
هزّتني قصة ذلك الطالب الذي أقبل على امتحانه بكل ما يملك من خوفٍ وتعبٍ وسهر؛ يراجع، ويجتهد، ويحرق أعصابه من أجل ورقةٍ ظنّ أن وراءها امتحاناتٍ أخرى، وأيامًا أخرى، وحياةً كاملةً سيعود إليها بعد أن يفرغ منها…
لكنه لم يكن يعلم أن ذلك الامتحان قد يكون آخر امتحانٍ له في الدنيا.
لم يكن يعلم أن الورقة التي بين يديه ليست آخر ما سيُسأل عنه، وأن هناك امتحانًا آخر لا يُمتحن فيه حفظُه ولا درجاته ولا شهادته، بل يُسأل فيه عمّا حمله قلبه طوال عمره:
من ربك؟
وما دينك؟
ومن نبيك؟
نحن نعرف مواعيد امتحانات الدنيا، فنؤجل راحتنا، ونقطع نومنا، ونراجع حتى تُرهق أعيننا؛ خوفًا من أن ننسى إجابةً في ورقة.
لكننا نعيش للامتحان الذي لا نعرف موعده، وكأن أمامنا من العمر ما يكفي دائمًا لأن نستعد له غدًا.
نُتقن الإجابة عن أسئلةٍ قد تنتهي بانتهاء الورقة، ونغفل عن أسئلةٍ يبدأ عندها المصير.
رحم الله ذلك الطالب رحمةً واسعة، وغفر له، وأنار قبره، وآنس وحشته، وجعل ما بذله من تعبٍ في طلب العلم شاهدًا له لا عليه، وبلّغه منازل الصالحين، وجبر قلوب أهله وأحبته بالصبر والسكينة.
وربما كانت قصته تذكرةً لنا جميعًا؛ أن الموت لا يستأذن، وأن الإنسان قد يخرج من بيته وفي قلبه ألف خطةٍ للغد، ثم لا يدرك الغد.
فيا رب، إن سعينا في الدنيا فلا تجعلها تُلهينا عن الآخرة، وإن طلبنا العلم فلا تحرمنا علمًا ينفعنا يوم لا تنفع شهادة، وإن طال بنا العمر فلا تجعلنا نؤجل التوبة حتى يفاجئنا الأجل.
اللهم أحسن خاتمتنا، وثبّتنا عند السؤال، واجعل آخر كلامنا من الدنيا شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
ولعلّ أعظم ما ينبغي أن نتعلمه من هذه الحياة:
أن نعمل لدنيانا وكأن أمامنا دهرًا…
وأن نستعد لآخرتنا وكأن الموت قد يكون غدًا.
فكم من إنسانٍ نام وهو يخطط لامتحان الغد،
فكان هو نفسه امتحانَ الغد.
9July 25, 2026 443 2