في مثل هذا الشهر، قبل واحدٍ وستين عامًا، أُبيدَ عربُ زنجبار، حتّى يُتِّمَ أطفالُهم، وأُرْمِلَت نساؤهم، وثُكِلَت أمهاتهم، وانتهكت أعراضُهم، وتشتّتت أسرهم، وهُجِّر من نجا منهم، إذ ما كان ذنبُهم إلا عروبتَهم، لا لِبغيٍ بغَوه، ولا لِذنبٍ اقترفوه، ولا لِعدوانٍ جلبوه، فكان الذبحُ واقعًا عليهم لِما هم عليه، لا لِما فعلوه، ولا لشيءٍ سوى نُطقهم بالضاد.
وما كان لعربِ زنجبار من ناصرٍ ولا مُنصِرٍ إلا اللّٰهُ وحده جلَّ وعلا، إذ خذلَهم إخوانُهم العرب خذلانًا لا يُغتفر؛ فلا سلاحٌ رُفِع في نصرتهم، ولا جندٌ أُرسل لمساندتهم، ولا حتى أقلُّ ما تعوّدوا عليه من تقاعسٍ، وهي الاستنكاراتُ بأشدِّ التعابير، صدرت؛ فُترك عربُ زنجبار تحت رحمة وحوشٍ ضارية، بلا سند، بلا نصير، بلا عذر، ولا حتى أقلِّ علامةٍ على شعورٍ بالتضامن والغيرة، فذاقوا من الدهر ذبحًا وتهجيرًا واغتصابًا، فتُقْرِحَت الأكباد، وتطايرت الأشلاء، وبُقِرَت البطون، واستُبيحت النساء، حتى أُمحيت عروبةُ زنجبار، وما تبقى إلا دماءٌ مسفوكةٌ وديارٌ مهدومة.
فماتوا قتلًا أو نفيًا، وهم يُبادون على مرأى من أُمّةٍ آثرت الصمت، وتركتهم لمصيرهم، وكأنّهم ليسوا منها، ولا دمهم دمها، ولا لسانهم لسانها، وكأنها هانت عليها دماء العرب، وغاب عنها شرفُ نصرتهم. وفي أيّامنا هذه نرى بني أُمّتنا وهم يُذبحون ويُبادون في فلسطين، وفي الجزيرة الفراتية، وفي الساحل الإفريقي، فيتكرّر المشهد، وتُعاد الخطيئة ذاتها: تخاذلٌ يُسمّى حكمة، ونسيانٌ يُسوَّغ بالحنكة، وكأنّ الدم العربي صار أرخص من أن يُفدى، أو أهون من أن تُسَلَّ له السيوف.
فيا أبناء العروبة، إنّ هذه الذكرى ليست مرثيةً تُتلى ثم تُطوى، ولا دمعةً موسميةً تُذرف ثم تُنسى، بل هي أمانةٌ في الأعناق، وشهادةُ اتهامٍ على كلِّ متفرّجٍ ومتخاذل.
فلنُجدِّد اليوم قَسَمَ الوحدة، ونُعلنها كلمةً لا لبس فيها: ليس للعربي إلا العربي؛ دمه دمي، ووجعه وجعي، وقضيته قضيتي، حيثما كان. وأن نلتزم وحدتنا، ونكسر عزلة المظلوم، ونرفض أن تُفرِّقنا الرايات المصطنعة، والحدودُ المرسومة بدمنا. فبالتضامن نحيا، وبالوحدة نَبقى، وبالوفاء لبعضنا نحفظ ما تبقّى من عروبتنا.
8
6
4
1January 25, 2026 1.5K 7