أمير الظل 🔻: post #50 — TG.ME

#سلسلة_ماذا_لو_ترجم_له_الذهبي 12 فريد الأنصاري فَرِيد الأَنْصَارِيّ الشيخ، العَالِم، العَارِف، الأُصُولِيّ المَقَاصِدِيّ، والمُفَكِّر الأَدِيب، مُجَدِّد (المَجَالِس القُرْآنِيَّة) في بِلَاد المَغْرِب الأَقْصَى، أبو فَاطِمَة فَرِيد بن الحَسَن الأَنْصَارِيّ. نشأ في بلاد المغرب، وتَضَلَّعَ من علوم الشريعة، وبَرَّزَ في (عِلْم أُصُول الفِقْه) و(المَقَاصِد)، حتى صار أستاذاً يُشَار إليه بالبَنَان في مَحَافِلِها. غير أن الرَّجُل لم يَقِفْ عند حُدُود الرُّسُوم الأَكَادِيمِيَّة الجَافَّة، بل كان صَاحِبَ رُوحٍ شَفَّافَة، وقَلْبٍ مُتَعَلِّقٍ بالسماء؛ فَمَزَجَ الفِقْهَ بِـ (التَّزْكِيَة)، والأُصُولَ بِمَوَاعِظ القُرْآن. وقد نَظَرَ -رحمه الله- في أحوال الحَرَكَات الإِسْلَامِيَّة المُعَاصِرَة، فَرَأَى غَلَبَةَ (الجَانِب التَّنْظِيمِيّ الحَرَكِيّ) والِاشْتِغَال بالسِّيَاسَة على حساب تَرْبِيَة القلوب والرُّجُوع إلى النَّبْعِ الصَّافِي، فَصَدَعَ بِرَأْيِه في مُصَنَّفَاتٍ نَفِيسَة جَرِيئَة كَكِتَابِه (الأَخْطَاء السِّتَّة لِلْحَرَكَة الإِسْلَامِيَّة) و(البَيَان الدَّعَوِيّ). ثُمَّ نَذَرَ عُمُرَه لِمَشْرُوعِه العظيم (مَجَالِس القُرْآن)، يَدْعُو النَّاس إلى تَدَبُّرِ آيَاتِه، والِاحْتِمَاء في ظِلَالِه من فِتَن العَصْر، وإِبْرَازِ (جَمَالِيَّة الدِّين). ولم يَقْتَصِرْ جِهَادُه على التَّصْنِيف العِلْمِيّ، بل أُوتِيَ بَيَاناً سَاحِراً، وقَلَماً أَدَبِيّاً رَفِيعاً؛ فَكَتَبَ (الرِّوَايَة الإِسْلَامِيَّة) التي تَسْرِق القُلُوب وتَسْمُو بالأَرْوَاح، كَرِوَايَتِه البَدِيعَة (عَوْدَة الفُرْسَان) و(آخِر الفُرْسَان)، جَاعِلاً من الأَدَبِ مَطِيَّةً لِلدَّعْوَة إلى الله. ولما بَلَغَ أَشُدَّه واكْتَمَلَ نُضْجُه، ابْتَلَاهُ الله بِمَرَضٍ عُضَال في بَدَنِه، فَصَبَرَ وَرَابَط، وظَلَّ يَكْتُب ويُدَرِّس وهو يُكَابِدُ الآلَام، حتى وافَتْه المَنِيَّة غَرِيباً في بلاد (تُرْكِيَا) وهو قَاصِدٌ لِلْعِلَاج، فَرَحَلَ عن دنيانا في قُوَّة عَطَائِه. قلت: هذا الرَّجُل كان كَطَبِيبٍ حَاذِقٍ، وَضَعَ إِصْبَعَه على عِلَّةِ الصَّحْوَة الإِسْلَامِيَّة في هذا الزمان؛ وهي جَفَافُ اليَنَابِيع الرُّوحِيَّة، والغَرَق في المُمَاحَكَات السِّيَاسِيَّة. وقد كَابَدَ رُدُودَ الأَفْعَال، وصَبَرَ على جَفْوَةِ بَعْضِ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ مَقَاصِدَه، لا يَبْتَغِي بِذَلِكَ إلا وَجْهَ الله. ومَنْ طَالَعَ كُتُبَه، سِيَّمَا (قَنَادِيل الصَّلَاة) و(مَجَالِس القُرْآن)، أَدْرَكَ أنَّه يَقْرَأُ لِرَجُلٍ يَتَكَلَّمُ من مُعَانَاةٍ وتَجْرِبَةٍ، كَلَامُه يَخْرُجُ من القَلْبِ فَيَسْتَقِرُّ في القَلْبِ، جَمَعَ بين صَرَامَة الأُصُولِيّ، ورِقَّة الأَدِيب، ودُمُوع العَارِفِين المُتَبَتِّلِين. ومَا أَقَلَّ من يَجْمَع هذه الخِصَال في زَمَانِنَا! رحمه الله رحمةً واسعة، وتَقَبَّلَ صَبْرَهُ ومُعَانَاتَه مَعَ المَرَضِ تَكْفِيراً لِسَيِّئَاتِه ورِفْعَةً في دَرَجَاتِه، وأَبْقَى حَيَّةً تلك (المَجَالِس القُرْآنِيَّة) التي أَشْعَلَ قَنَادِيلَهَا في قُلُوبِ الشَّبَابِ بِلَادِ المَغْرِب وغَيْرِها.

August 13, 2026 44