مع كل صباح يتجددُ في قلبي التوقُ إلى حياةٍ أكثرَ هدوءًا، بعيدًا عن ضجيجِ العالمِ وفُضولِه
وفي سكونِ هذا الصباحِ بالذات، استوقفني سؤالٌ حزين ودهشةٌ صامتة، وأنا أرقبُ في ذهولٍ كيف يفرّطُ الناسُ في أثمنِ ما يملكون؛ يركضون بلهفةٍ خلفَ أخبارِ مَن لا تربطُهم بهم قُربى ولا يجمعُهم بهم أثر، ويكتسبون من طوارقِ الشائعاتِ هَمًّا ثقيلاً لا يخصُّهم!
كنتُ أسألُ نفسي دائمًا بنبرةٍ يمتزجُ فيها العجبُ بالأسى: أيُّ جَدوى يقتطفُها المرء لو هتَكَ سرَّ فلانٍ أو تقصّى خبرَ فلانة؟ هل يذوقُ بعد تلك المعرفةِ طعمًا أهدأَ للنوم؟ أم تزدادُ روحُه بهاءً وتشرقُ أحلامُه المؤجّلة؟ أم ترى يزيدُ بها رصيدُ حسابه، أو يعلو بها قدرُه في دنياه؟
لا وربّي، بل هي خسارةٌ محضة، لا تُضيفُ للمرءِ كسبًا شخصيًا ولا عقليًا ولا علميًا، ولا تجلبُ له حظًّا دنيويًا ولا أجرًا أُخرويًا.
ومِن رحمةِ اللهِ بالعاقلِ أن يُلهمه رَشَده؛ لذا اتّخذتُ قراري الهادئ: أن أنأى بقلبي عن هذه المعاركِ الصغيرة، وأتدرع بالصمت بدلاً من الخوضِ في أحاديثٍ فارغة؛ فعقلُ الإنسانِ كالإناءِ المحدود، متى مُلئ بالتافهِ من القول سَقَطَ منه الثمينُ والنفيس، ثم إن في داخلي عوالمَ ومشاريعَ كبرى تنتظرُ الرعاية، وأحلامًا لم تكتمل بعد، وهمومًا ذاتية هي بالاهتمامِ أولى، وحياةً يتسرّبُ عمرُها كلَّ يومٍ خطوةً فخطوة، ونفسي أحقُّ بالصيانةِ والرفعةِ من مزاحمةِ السُّفهاءِ والفضوليين.
إنّ ثوبَ سالِكِي طريقِ الحقّ والعلمِ ثوبٌ عزيزٌ ناصع، ومن شَرُفَ بحمله خافَ عليه من أدنى شائبة، واستحى أن يُلطّخَ نبلَ شغفه بصغائرِ الأمور. والليلُ والنهارُ جوادان جموحان يركضان بنا بلا توقّف، وأوقاتهما المحدودة لا تكفي حتّى لبناءِ ما نطمحُ إليه، فكيف نملكُ رفاهيةَ التنازلِ عن لحظةٍ واحدةٍ لغيرِ هدف؟ بل كيف نهدرُ في الفضولِ أوقاتًا وأعمارًا!
وأعلمُ يقينًا أنني حين أقفُ غدًا في الموقفِ العظيم بين يديّ جبار السماوات والأرض، لن يُسألَ لساني عن حديثِ هذا وذاك، بل سأقفُ فرْدًا تُعرَضُ عليّ الدقائقُ والأنفاس: أين سَرَتْ؟ وفيما انقضت؟ وكيف أُنفِقَ هذا العمرُ الذي بدأ فجرًا نديًّا.. وانتهى تاريخًا يُحسبُ لي أو عليّ؟
فطُوبَى لروحٍ استنارتْ بوعيِها، فكَفَّتْ عن اللّغوِ لسانَها، وزَكَّتْ بالفكرِ النافعِ عقلَها، وجعلتْ من أنفاسِها المحدودةِ سُلَّمًا ترتقي بها إلى مَرافئِ القَبول، ومَنازلِ الخُلود.
August 8, 2026 617 4