لو أن أبا أراد أن يختبر طاعة ابنه له، فقال له: «اذهب إلى مكان بعيد أعينه لك»، وكان في طريقه إلى ذلك المكان مجلس أصدقائه الذين يود لقاءهم، ومتجر يقضي منه بعض حاجاته، فسار الابن كما أمر، ثم عاد إلى بيته؛ هنا نقول،لقد أطاع أباه في الظاهر، لكنه في الحقيقة نال من الامتثال منافع شخصية، فلقي أصدقاءه واشترى ما يريد.
هذه الطاعة ـ وإن كانت صحيحة ـ لا تُعبر عن مطلق الامتثال، لأنها امتزجت بمصلحة راجعة إلى الابن نفسه.
أما لو أن الأب طلب منه أن يقطع المسافة نفسها، لكن إلى مكان خال لا يرى فيه أحد، ولا متجر فيه، مجرد طريق موحش يقطعه ثم يعود، فامتثل الابن رغم خلو الرحلة من كل منفعة أو متعة، فهنا تتجلى حقيقة الطاعة الصافية؛ إذ أطاع امتثالا خالصا لأمر أبيه.
وهكذا شأن التكاليف الشرعية:
فمنها ما تلوح فيه المصلحة المادية، كالصوم الذي يصفي البدن ويهذب النفس، فتمتزج فيه العبادة بالمصلحة.
ومنها ما لا تدرك له حكمة حسية ظاهرة، كأكثر شعائر الحج، وهي عبادات مقصودها الأسمى اختبار مدى الإذعان، وصدق العبودية، وتجريد الامتثال من شوائب النفع.
فكأن الشريعة تقول للعبد: طاعتك فيما تفهمه مصلحة، وطاعتك فيما لا تفهمه توحيد.
والأولى يسير فيها القلب مع المنفعة، أما الثانية فيسير فيها القلب وحده نحو الله تعالى.
4
3October 23, 2025 312 4